أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استعداد بلاده لكلا الخيارين، الحرب والسلام، مع التشديد على "إمكانية التوصل إلى اتفاق عادل في جنيف من دون التخلي عن البرنامج النووي السلمي أو القدرات الدفاعية".
يسود ترقب دولي واسع عشية الجولة الثالثة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، حيث تتجه الأنظار إلى استحقاق يوم غد الخميس بوصفه محطة مفصلية قد تحدد ما إذا كان المسار الدبلوماسي سينجح في تجنيب المنطقة مواجهة عسكرية جديدة.
وتأتي الجولة ضمن الوساطة التي تقودها سلطنة عمان، بعد أولى في مسقط في السادس من شباط/فبراير، وثانية في جنيف في السابع عشر منه، وسط حشد عسكري أميركي كبير في الشرق الأوسط، وتهديدات متكررة بشن ضربات في حال فشل المفاوضات، مقابل تحذيرات إيرانية واضحة من أن أي هجوم لن يمر من دون رد قاس.
وتزامن هذا الترقب مع تصعيد في الخطاب السياسي من الجانبين. ففي وقت أكدت فيه واشنطن استمرار الضغوط، شددت طهران على أنها تدخل جولة جنيف بوجهين متلازمين: الانفتاح على اتفاق "عادل ومتوازن"، والاستعداد الكامل للحرب إذا فرضت عليها.
وأعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده "مستعدة لكلا الخيارين الحرب والسلام"، مؤكدا أن "استعدادنا للحرب ليس رغبة فيها بل لمنعها"، وأن القوات المسلحة الإيرانية "مستعدة لأداء واجبها ونعلم كيف ندافع عن أنفسنا كما فعلنا في المرة السابقة"، مضيفا أن إيران "تعلمت دروسا كثيرة من الحرب الماضية ولذلك نحن اليوم أكثر استعدادا".
وبالتوازي مع المسار الدبلوماسي، كشفت صور أقمار صناعية حللتها وكالة "أسوشيتد برس" أن السفن الاميركية التي ترسو عادة قبالة مقر الاسطول الخامس التابع للبحرية الاميركية في البحرين لم تعد موجودة في المرفأ، وتحركت إلى عرض البحر، في خطوة توصف بانها اجراء احترازي شائع في اوقات التوتر العسكري.
تفاؤل إيراني حذر
وفي سياق متصل، أبدى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تفاؤلا حذرا حيال مسار المحادثات، معتبرا أن هناك "أفقا واعدا للمفاوضات"، ومعربا عن تطلعه إلى الخروج من حالة "اللاحرب واللاسلم" التي تحكم المشهد الحالي. وفي السياق نفسه، غادر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي طهران في اتجاه جنيف، وفق ما أفاد به التلفزيون الرسمي، استعدادا للمشاركة في الجولة الثالثة من المفاوضات المرتقبة.
وأكد أن "التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف ومتوازن أمر يمكن تحقيقه"، مشيرا إلى إمكانية التوصل إلى "اتفاق أو صفقة استنادا إلى تفاهمات الجولة الثانية من المفاوضات"، ومشددا على أن "هناك فرصة غدا في جنيف للتوصل إلى حل متفق عليه وعادل ومتوازن".
وأضاف أن "لا يوجد خيار عسكري لحل الملف النووي السلمي ومستعدون للإجابة عن أي أسئلة أو مخاوف أو غموض بشأنه"، مؤكدا "لسنا مستعدين للتخلي عن حقنا في الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية".
ونقلت "فايننشال تايمز" عن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن رد إيران على أي هجوم "سيكون عنيفا ولا شيء اسمه هجوم محدود"، في إشارة إلى أن طهران لا تميز بين ضربة محدودة وأخرى واسعة إذا تعرضت لهجوم.
عراقجي يفسر "جذور العداء"
في حديث مع قناة "India Today TV"، قدم عراقجي تفسيرا لعقود من "العداء الأميركي" تجاه بلاده، معتبرا أن تبني الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة موقفا أكثر مواجهة تجاه إيران يرتبط بجذور تعود إلى الثورة الإسلامية عام 1979، ودورة مستمرة من انعدام الثقة غذتها، بحسب قوله، اللوبيات الإسرائيلية.
وقال إن طهران تعتقد أن السياسة الأميركية، بما في ذلك في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تشكلت نتيجة سوء فهم وتأثيرات خارجية بدلا من تواصل مباشر مع المجتمع الإيراني.
وأضاف "كل شيء بدأ مع الثورة الإسلامية في إيران. أعتقد أن الأميركيين فشلوا في فهم لماذا حدثت. لذلك بدأوا، كما تعلمون، العداء تجاه ذلك".
وعزا "جذور العداء" القائم اليوم إلى الثورة الإسلامية عام 1979 التي أطاحت بالشاه المدعوم من الولايات المتحدة واستبدلت الملكية المتحالفة مع الغرب بالجمهورية الإسلامية، ما غير جذريا علاقة إيران بواشنطن وحلفائها.
وتابع: "خلال السنوات السبع والأربعين الماضية، كنا موضوعا أو ضحية لعدائهم ضدنا. حاولوا كل شيء. حاولوا الانقلابات عدة مرات. ساعدوا صدام حسين لفرض حرب استمرت ثماني سنوات ضدنا. في العام الماضي، حرب أخرى. كل أنواع العقوبات. الضغوط القصوى. وفشلوا".
وقال إن النظرة الأميركية إلى إيران تشكلت عبر روايات خارجية بدلا من فهم مباشر، مضيفا "لأنهم لا يملكون معلومات حقيقية عن إيران والشعب الإيراني، ويتم تغذيتهم بحملات تضليل، في الغالب من قبل اللوبيات الإسرائيلية".
ورغم الانتقادات الحادة، أكد أن إيران لا تزال منفتحة على مسار مختلف إذا غيرت الولايات المتحدة سياستها، مضيفا "أعتقد أن الحل الوحيد للحوار هو التحدث مع الشعب الإيراني بلغة الاحترام. إذا جربوا تلك اللغة، سيرون النتيجة. أننا سنتحدث معهم أيضا باللغة نفسها".
السقف الصاروخي والرد على اتهامات ترامب
رفض عراقجي مزاعم واشنطن أن طهران تطور صواريخ بعيدة المدى قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة، واصفا هذه الادعاءات بأنها "أخبار مزيفة". وأكد أن إيران وضعت عمدا سقفا لمدى صواريخها دون 2000 كيلومتر، مشددا على أنها مصممة حصرا للدفاع والردع وليس كتهديد عالمي، معتبرا أن ترامب أصبح ضحية "الأخبار المزيفة".
وأوضح أن برنامج إيران الصاروخي يهدف إلى حماية البلاد، مشيرا إلى الدفاع عن النفس خلال حرب حزيران/يونيو الماضي التي ألقى باللوم فيها على إسرائيل والولايات المتحدة، ومتهما إسرائيل بأنها الجهة الوحيدة في المنطقة التي تسعى إلى الصراع، ومؤكدا أن إيران ستواصل الحفاظ على قدراتها الدفاعية.
وشدد عراقجي على أن "هناك دولة واحدة في المنطقة تريد الحرب هي إسرائيل، وهي تحاول جر ترامب إلى هذا الخيار"، معتبرًا أن "ترامب أصبح ضحية للأخبار المزيفة ونحن لا نطور أسلحة تصل للولايات المتحدة".
تحرك سفن الأسطول الخامس
وتأتي صور الأقمار الصناعية التي التقطت يوم الثلاثاء من قبل شركة Planet Labs PBC وحللتها أسوشيتد برس لتُظهر أن الرصيف الرئيسي في مقر الأسطول الخامس في البحرين كان خاليًا من السفن، بعدما كانت القطع البحرية الأميركية ترسو عادة قبالته.
ويُعد تشتيت السفن في عرض البحر إجراءً دفاعيًا تعتمده القوات البحرية حول العالم في أوقات التوتر، بهدف تقليل مخاطر استهدافها في حال وقوع هجوم صاروخي أو جوي. وكان الأسطول الخامس قد اعتمد خطوة مماثلة قبل هجوم إيران على قطر في حزيران/يونيو الماضي، تحسبًا لأي تصعيد محتمل.
الموقف الأميركي بين الدبلوماسية والضغط
أكد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، في حديث لـ"فوكس نيوز" أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب "هو من سيتخذ القرار النهائي بشأن كيفية ضمان عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا"، مشيرا إلى أن واشنطن تجري "جولة محادثات دبلوماسية أخرى مع الإيرانيين في محاولة للتوصل إلى تسوية معقولة".
وشدد على أن "لا يمكن لإيران امتلاك سلاح نووي"، معربا عن أمل بلاده في "التوصل إلى حل جيد مع إيران دون اللجوء إلى الجيش لكن إذا اضطررنا لذلك فمن حق الرئيس اتخاذ القرار"، ومؤكدا أن "منع إيران من امتلاك سلاح نووي هو الهدف العسكري الأسمى إذا اختار الرئيس المسار العسكري".
واشنطن تواصل الضغوط القصوى
وأعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن بلاده "ستواصل ممارسة أقصى الضغوط على إيران لاستهداف قدرات النظام التسليحية ودعمه للإرهاب"، فيما فرضت وزارة الخزانة عقوبات على أربعة أشخاص وثلاثين كيانا.
كما نقلت فوكس نيوز عن زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأميركي جون ثون قوله إن "هناك إمكانية للتوصل إلى اتفاق إذا جاءت إيران للتفاوض"، مع التشديد على ضرورة "أن نكون على دراية بقدرة إيران على ضرب حلفائنا بالمنطقة".
أوروبيا، دعا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إلى "اغتنام كل الفرص الدبلوماسية لتفادي التصعيد العسكري مع إيران"، مؤكدا السعي إلى "منع حصول إيران على السلاح النووي ووقف برنامجها الباليستي وتقليص قدرتها على زعزعة الاستقرار".
مصداقية ترامب "على المحك"
في موازاة المسار الدبلوماسي، يضع التصعيد العسكري مصداقية الرئيس الأميركي دونالد ترامب على المحك.
ونقلت "فرانس برس" عن المحلل إميل حكيم من "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" تأكيده أن الانتشار العسكري الأميركي الكثيف في المنطقة قيّد هامش المناورة أمام ترامب، إذ إن أي تراجع أو انسحاب من دون اتفاق قد يُفسر بوصفه ضربة لصورته السياسية. ويأتي ذلك في وقت صعّد فيه ترامب اتهاماته للسلطات الإيرانية، متهما إياها بقتل 32 ألف شخص خلال احتجاجات كانون الثاني/يناير.
في المقابل، تقر السلطات الإيرانية بسقوط أكثر من ثلاثة آلاف قتيل، لكنها تؤكد أن معظمهم من عناصر الأمن، وتعتبر أن أعمال العنف كانت نتيجة "أنشطة إرهابية" مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل. غير أن منظمات حقوقية مقرها الخارج تشير إلى سقوط ما لا يقل عن سبعة آلاف قتيل، غالبيتهم من المتظاهرين، مع تحذيرات من أن العدد الفعلي قد يكون أعلى.
وعلى وقع هذه السجالات، عادت الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات طهران منذ السبت، في مؤشر إلى استمرار التوتر الداخلي. وأقرت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني بحق الطلاب في التظاهر، لكنها حذرت من تجاوز "الخطوط الحمر". وأظهرت مقاطع مصورة جرى التحقق منها طلابا يحرقون علم الجمهورية الإسلامية ويرددون هتافات مناهضة للمرشد الأعلى علي خامنئي، في مشهد يعكس احتقانا سياسيا يتقاطع مع الضغوط الخارجية.
سجال الصواريخ والنووي
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أكد في خطاب حال الاتحاد أنه يفضل الحل الدبلوماسي، لكنه شدد على أنه "لن أسمح أبدا للدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم بامتلاك سلاح نووي". واتهم إيران بتطوير صواريخ قادرة على تهديد أوروبا وقواعد الولايات المتحدة في الخارج، والعمل على بناء صواريخ ستكون قريبا قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة.
وردت الخارجية الإيرانية ووصفت هذه الاتهامات بأنها "تكرار لأكاذيب كبرى". وبحسب المعطيات المعلنة، يبلغ مدى الصواريخ الإيرانية 2000 كيلومتر كحد أقصى، فيما تقدر دائرة أبحاث الكونغرس الأميركي أنه قد يصل إلى نحو 3000 كيلومتر، وهو أقل من ثلث المسافة إلى البر الأميركي.
وتنفي طهران السعي إلى تطوير قدرات نووية عسكرية، مؤكدة حقها في برنامج سلمي لأغراض مدنية، في وقت يبقى فيه مسار جنيف اختبارا حقيقيا لما إذا كانت لغة التهديد المتبادل ستفسح المجال أمام تسوية، أم أن المنطقة تتجه إلى مرحلة أكثر تصعيدا.