عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

فرنسا-لبنان: هل "الانتداب" ممكن في 2020؟ ولمَ رؤساء فرنسا متعلقون بلبنان؟

محادثة
ماكرون خلال زيارته شارع الجميزة بالقرب من مرفأ بيروت المدمر
ماكرون خلال زيارته شارع الجميزة بالقرب من مرفأ بيروت المدمر   -   حقوق النشر  AP Photo/Thibault Camus, Pool
حجم النص Aa Aa

يستدير بعض اللبنانيين إلى "الأم الحنون" وهو لقب فرنسا، التي أعلنت قيام "لبنان الكبير" منذ نحو قرن، حيث حصدت عريضة إلكترونية تطالب بعودة الانتداب الفرنسي نحو 50 ألف توقيع.

العريضة طبعاً نشرت على الإنترنت بعد الانفجار المهول الذي هزَّ بيروت ودمّر مرفأها وأجزاء منها وراح ضحيته نحو 150 قتيلاً وأكثر من 5000 جريح، ولكن أيضاً بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى بيروت.

ودُوّن في العريضة أن القادة اللبنانيين "أظهروا بوضوح عجزهم عن إدارة البلد وضمان أمنه. وأن النظام ينهار بسبب الفساد والإرهاب والميليشيات والبلد يلفظ أنفاسه الأخيرة".

ومن هنا تطالب الورقة بعودة الانتداب الفرنسي من أجل "حكم مستدام وصحّي".

لمحة تاريخية

بعد انهيار السلطنة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى، تقاسم الغرب ما كان يسمى بالشرق الأدنى (بحسب المصطلح الفرنسي) وفق معاهدة سايكس-بيكو، وأُعلن في العام 1920 قيامُ لبنان الكبير الذي ضمّ إلى جبل لبنان بيروتَ وطرابلس وعكار والهرمل وراشيا وحاصبيا وجنوب لبنان.

حدث ذلك بإشراف الجنرال هنري غورو، القائد العسكري الفرنسي.

وبعد مُضي أكثر من عشرين سنة، اندلعت الحرب العالمية االثانية، وحصل لبنان على استقلاله في العام 1943، بعدما أقيمت جمهورية برلمانية-ديمقراطية، لم يكن دستورها إلا نسخة من دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة.

كيف يُدارُ لبنان؟

في العام 1943 اتفق اللبنانيون على ما يعرف بـ"الميثاق" الوطني وهو اتفاق شفهي غير مكتوب ينظم أسس الحكم في الجمهورية. وكان بشارة الخوري (أول رئيس للجمهورية بعد الاستقلال) ورياض الصلح (أول رئيس حكومة) سعيا إلى هذا الميثاق.

وبموجبه يكون رئيس الجمهورية مسيحياً (مارونياً) ورئيس مجلس النواب مسلماً شيعياً ورئيس السلطة التنفيدية (الحكومة) مسلماً سنيّاً.

وبعد الحرب الأهلية (1975-1990) قلّص اتفاق الطائف من صلاحيات الرئيس المسيحي، كما ناصف في المراكز البرلمانية بين التمثيلين المسلم والمسيحي.

وبالتالي، فإن لبنان يُحكم توافقياً بين الطوائف، على الرغم من كونه جمهورية برلمانية-ديمقراطية نظرياً.

وإذ كان الميثاق بالأساس نتيجة خلاف جوهري حول الهوية اللبنانية (هل هو بلد عربي أم غربي؟)، فالميثاق أرسى معادلة جديدة بين المسيحيين والمسلمين: "الاستقلال يكون ناجزاً من دون اللجوء إلى حماية من الغرب ولا إلى وحدة واتحاد مع الشرق".

هل الانتداب ممكن في 2020؟

الحديث عن "انتداب" محتمل، لا في لبنان وحده، إنما في العالم كلّه، مستبعد جداً اليوم بحسب ما يقوله الباحث يان كربرات من جامعة السوربون الفرنسية لصحيفة لوفيغارو الفرنسية.

ويرى كربرات أن إنشاء جمعية الأمم المتحدة في العام 1945 أنهى مصطلح "الانتداب" بالشكل الذي كان متعارفاً عليه بعد الحرب العالمية الأولى، حيث كانت القوى العظمى تتمثل ببريطانيا وفرنسا اللتين انتصرتا في الحرب.

أضف إلى ذلك أن لبنان دولة مستقلة بحسب شرعة الأمم المتحدة، وهذه الشرعة لا تسمح بأن يقوم بلد بإدارة شؤون بلد آخر إلا بشروط بالغة التعقيد، وحتى بطرق مختلفة عن الماضي.

فلو نظرنا إلى مثال كوسوفو، يضيف كربرات، كانت هي الدولة الأخيرة التي أشرف عليها مجلس الأمن الدولي، خصوصاً في ظلّ رغبتها في إعلان الاستقلال (الذي لم تعترف به جميع الأمم بالمناسبة حتى اليوم).

من وجهة نظر قانونية إذاً، إن أي دور محتمل لفرنسا في لبنان مستقبلاً، يرتبط بشكل مباشر بمجلس الأمن الدولي. ذلك أن الفصل السابع، على سبيل المثال، يخوّل دولة ما بإدارة شؤون دولة أخرى "في حال رأى مجلس الأمن أن السلام مهدد وتجب إعادته".

بقولٍ آخر، لا يمكن لفرنسا أن تأخذ أية مبادرة من دون طلب رسمي من مجلس الأمن. ولكنها، قد تقود مجموعة من الجهود الدولية لمعاقبة السلطة اللبنانية لأسباب عدة.

لمَ الرؤساء الفرنسيون متعلقون بلبنان بهذا الشكل؟

"لبنان ليس وحيداً". هذا ما أكده الرئيس الفرنسي ماكرون يوم وقع الانفجار الذي تردد صداه في قبرص. وأضاف ماكرون الذي زار بيروت بعد ذلك أن فرنسا تقف إلى جانب لبنان. هذا ما كرره من الشارع البيروتي.

كان ماكرون أول رئيس أو مسؤول دولي يزور لبنان بعد الانفجار.

في الماضي، عاش القائد العسكري ورئيس الجمهورية لاحقاً، شارل ديغول، في لبنان بين 1929 و1931. وخلال الحرب العالمية الثانية، سقط البلد بيد حكومة فيشي، وحاول ديغول استعادته. ولكن لبنان حصل على الاستقلال في العام 1943.

وهناك روابط ثقافية وسياسية ولكن أيضاً إنسانية بين البلدين كما أن نحو 35 ألف لبناني يعيشون في فرنسا اليوم بحسب ما تشير إليه أرقام المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية.

وثابر الزعماء الفرنسيون على زيارة لبنان في الأزمات دائماً، تذكيراً منهم بالعلاقات بين الطرفين.

في العام 1983 زار الرئيس الفرنسي آنذاك، فرانسوا ميتران، بيروت بعد استهداف مبنى يؤوي القوات الأميركية والفرنسية بشاحنتين مفخختين، ما أدى إلى مقتل 58 عسكرياً فرنسياً.

يمكن أيضاً ذكر زيارة الرئيس الراحل جاك شيراك لتقديم العزاء لأسرة رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، وكانت العلاقة بين الرجلين ممتازة، من دون نسيان زيارة نيكولا ساركوزي في 2008 وفرانسوا هولاند في 2016.