دشّن لبنان وسوريا مسارا جديدا في علاقتهما بتوقيع اتفاق ينص على نقل نحو 300 محكوم سوري من السجون اللبنانية إلى سوريا لاستكمال محكومياتهم، ضمن مقاربة أوسع لمعالجة ملف يشمل أكثر من 2200 سوري موقوفين أو محكومين في لبنان.
وقع لبنان وسوريا اتفاقية تقضي بنقل نحو 300 محكوم سوري من السجون اللبنانية إلى سوريا لاستكمال محكومياتهم، في محطة وُصفت بأنها أساسية على طريق إعادة ترتيب العلاقات بين بيروت ودمشق، وضمن مسار أوسع لمعالجة الملفات العالقة وفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.
ويأتي هذا الاتفاق في ظل وجود أكثر من 2200 سوري في السجون اللبنانية، موقوفين أو محكومين بملفات متعددة، تشمل قضايا تتعلق بالإرهاب والانتماء إلى تنظيمات متشددة أو فصائل مسلحة، إضافة إلى قضايا مرتبطة بهجمات استهدفت الجيش اللبناني في مناطق حدودية خلال سنوات الحرب في سوريا.
توقيع رسمي في بيروت
وقّع الاتفاقية عن الجانب اللبناني نائب رئيس الحكومة طارق متري، وعن الجانب السوري وزير العدل مظهر اللويس، في السرايا الحكومية في بيروت، بحضور رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام، ووزير العدل عادل نصار، والأمين العام لمجلس الوزراء القاضي محمود مكيه، وعدد من القضاة، إضافة إلى وفد رسمي سوري.
وتنص الاتفاقية على تسليم المحكومين السوريين من بلد صدور الحكم إلى بلد جنسيتهم، على أن يستكملوا تنفيذ العقوبات الصادرة بحقهم في سوريا، بعد استيفاء الشروط المنصوص عليها في الاتفاق.
متري: ثمرة أشهر من العمل المشترك
بعد التوقيع، عقد متري واللويس مؤتمرا صحافيا مشتركا، أكد فيه متري أن الاتفاقية تُتوّج أشهرا من العمل الجدي والدؤوب شارك فيه قضاة وخبراء من البلدين، مشيرا إلى أن الاتفاق يعكس إرادة سياسية مشتركة تقوم على الثقة والاحترام المتبادل.
وأوضح أن الاتفاقية تعبّر عن قناعة بأن العلاقات اللبنانية السورية يجب أن تُبنى على التعاون بين بلدين مترابطين، بحيث إن ما يؤذي أحدهما ينعكس على الآخر، وما هو خير لأحدهما هو خير للثاني.
وأضاف أن العمل المشترك استمر على مدى أربعة أشهر، وأن الاتفاق الموقع اليوم يشكل خطوة أولى وليست أخيرة، وهو أول ثمار هذا التعاون، إذ يعالج جانبا أساسيا من قضية شائكة تتعلق بالمحكومين السوريين في السجون اللبنانية.
إجماع حكومي وبداية التنفيذ
وأشار متري إلى أن الاتفاقية أُقرت بإجماع مجلس الوزراء، وسيُباشر تنفيذها اعتبارا من صباح الغد، لافتا إلى أن العمل سيستمر من أجل إعداد اتفاقية إضافية لمعالجة أوضاع الموقوفين بمختلف فئاتهم، سعيا إلى إيجاد حلول سريعة وفعالة لهذه القضية.
وأكد أن هذا الاتفاق يحظى بدعم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ويمثل إرادة لبنانية جامعة، معربا عن الأمل في أن يُتوّج هذا المسار باتفاقات إضافية، ولا سيما في ما يتعلق بملف الموقوفين.
اللويس: خطوة إنسانية وقانونية مهمة
من جهته، شكر وزير العدل السوري المسؤولين اللبنانيين، مشيرا إلى أن الاتصالات والمشاورات بين الجانبين لم تتوقف منذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، ما يعكس وجود إرادة سياسية حقيقية لمعالجة هذا الملف الحساس بأبعاده القانونية والإنسانية.
وأوضح أن تعقيد الملف ناجم عن اختلاف المراكز القانونية وتعدد الفئات المعنية، ما حال دون التوصل إلى اتفاق شامل في هذه المرحلة، إلا أن الاتفاق الحالي يشكل خطوة مهمة على طريق العدالة، عبر معالجة أوضاع المحكومين الذين أمضوا فترات طويلة في السجون وكانت حالاتهم من الأكثر تعقيدا.
وأكد أن هذه الخطوة تحمل بعدا إنسانيا، وتسهم في التخفيف من معاناة المحكومين وذويهم، وتشكل أساسا للبناء عليه في المراحل اللاحقة من العمل المشترك.
نحو 300 محكوم.. والموقوفون قيد المتابعة
وأشار اللويس إلى أن الاتفاق يشمل نحو 300 محكوم تقريبا، في حين تستمر اللقاءات بين اللجان القضائية المختصة لمتابعة أوضاع الموقوفين الذين لم تشملهم الاتفاقية، والعمل على إعداد خطة زمنية لمعالجة ملفاتهم وفق الأصول القانونية المعتمدة، بالتعاون مع القضاء اللبناني.
وأكد أن التعاون القائم يعكس عمق العلاقات الأخوية بين سوريا ولبنان، وحرص الجانبين على تعزيزها بعيدا من أي تأويلات لا تعكس حقيقة هذا التعاون.
طبيعة الاتفاق وشموليته
وفي رده على أسئلة الصحافيين، أوضح متري أن الاتفاقية تتعلق بتسليم محكومين بين دولتين ذات سيادة، وفق الأعراف الدولية، على أن يستكمل المحكوم عقوبته في بلده.
بدوره، أكد اللويس أن الاتفاق يشمل المحكومين من مختلف الفئات، شرط أن يكونوا قد أمضوا مدة عشر سنوات سجنية، من دون استثناء، بما في ذلك موقوفو أحداث الثورة.
وأوضح أن الموقوفين غير المشمولين بالاتفاق الحالي يحتاجون إلى إجراءات قانونية أطول، وأن العمل جار على مسارين متوازيين لمعالجة هذا الملف.
العلاقات الثنائية خارج منطق المقايضة
وشدد متري على أن هذا الاتفاق لا يعني أن العلاقات اللبنانية السورية محكومة بهذا الملف وحده، مؤكدا أن كل القضايا التي تهم البلدين موضع حوار، ومن دون أي محرمات، وبروح التعاون لا المقايضة.
وأكد أن البلدين أمام فرصة حقيقية لإقامة علاقة جديدة قائمة على الندية والاحترام المتبادل، من دون هيمنة أو تدخل في الشؤون الداخلية.