منذ مطلع شباط الماضي عززت دمشق وجودها العسكري على الحدود مع لبنان، ونشرت وحدات صاروخية وآلاف الجنود، في خطوة وصفتها بأنها "دفاعية" تهدف إلى ضبط الحدود ومنع التهريب.
نفى المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم براك، بشكل قاطع ما تداولته وكالة أنباء عالمية حول وجود مساعٍ أميركية لدفع دمشق إلى إرسال قواتها إلى الأراضي اللبنانية، بهدف المشاركة في عمليات نزع سلاح "حزب الله".
وقال براك في منشور على منصة "أكس"، إن "التقارير المتعلقة بتشجيع الولايات المتحدة سوريا على إرسال قوات إلى لبنان هي أخبار كاذبة وغير دقيقة"، في أول تعليق رسمي أميركي على المعلومات التي أثارت جدلاً واسعاً.
من جانبه، أكد العميد حسن عبد الغني، المتحدث باسم وزارة الدفاع السورية، في تصريح لـ"النهار"، أن دمشق لم تتلق أي طلب رسمي بهذا الشأن، مشدداً على أن "حتى في حال وجود مثل هذا الطرح، فإن القرار يبقى سيادياً سورياً".
وجاءت هذه التصريحات رداً على تقرير لوكالة "رويترز"، كشفت فيه نقلاً عن 10 مصادر، بينهم مسؤولون سوريون ودبلوماسيون غربيون، أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كانت قد طرحت الفكرة على حكومة دمشق كجزء من جهود نزع سلاح "حزب الله"، في سياق التصعيد العسكري مع إسرائيل.
تردّد سوري وخشية من الانجرار إلى صراع أوسع
وبحسب المصادر ذاتها، فإن الفكرة طُرحت للمرة الأولى العام الماضي، وأعيد إحياؤها مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على إيران، إلا أن دمشق أبدت تردداً كبيراً في الاستجابة، خوفاً من أن يُجرّها أي تدخل عسكري في لبنان إلى مواجهة مفتوحة، أو أن يشعل توترات طائفية داخلية.
وأشارت المصادر إلى أن "الحكومة السورية التي يقودها إسلاميون سنّة، تدرس المقترح بحذر شديد، لكنها لا تزال مترددة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي".
الرئاسة اللبنانية: لا معطيات حول العملية
في موازاة ذلك، قالت الرئاسة اللبنانية إنها لم تتلق أي إشارات من الولايات المتحدة أو أي جهة دولية أو عربية حول وجود نية لتدخل سوري على الأراضي اللبنانية.
ونقلت الرئاسة تأكيد جوزاف عون تلقي "تأكيدات من الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع بأن دمشق تحترم سيادة لبنان، ولا تنوي التدخل عسكرياً"، لافتة إلى أن أي تنسيق قائم يقتصر على إدارة الشؤون الحدودية المشتركة.
بدوره، أكد الجيش اللبناني استمرار قنوات التنسيق مع الجانب السوري لمعالجة القضايا الأمنية على الحدود ومنع أي توترات.
كما شدد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام على أن القيادة السورية أوضحت أن التحركات العسكرية الأخيرة على الحدود تأتي في إطار حماية الأمن الداخلي السوري، ولا تحمل أي طابع هجومي ضد لبنان.
دمشق تعزز الإجراءات العسكرية على الحدود
وكانت دمشق قد عززت منذ مطلع شباط الماضي وجودها العسكري على الحدود مع لبنان، ونشرت وحدات صاروخية وآلاف الجنود، في خطوة وصفتها بأنها "دفاعية" تهدف إلى ضبط الحدود ومنع التهريب.
وفي تصريح سابق لقناة "MTV" اللبنانية، أوضح العميد حسن عبد الغني أن "الحشد العسكري هو إجراء احترازي دفاعي طبيعي جداً"، مشيراً إلى أن الهدف منه ضبط تهريب المخدرات والأسلحة ومنع تحركات فلول النظام السابق، مؤكداً وجود "تنسيق عالٍ مع الجيش اللبناني".
وأضاف: "الجميع يعرف أن مصلحة حزب الله هي بازدياد التوتر في المنطقة"، نافياً حصول أي إنزال بري من الجانب السوري، ومؤكداً أن "أولوية دمشق هي للنمو والإعمار والاقتصاد".
سياق معقد وتاريخ مواجهة
ويأتي هذا الجدل الإعلامي في سياق تاريخي ومعقد للعلاقات بين الفصائل السورية وحزب الله. فقد خاض الحزب مواجهات عسكرية طاحنة ومباشرة على الأرض السورية ضد "جبهة النصرة" (التي تطورت لاحقاً إلى "هيئة تحرير الشام" بقيادة أبو محمد الجولاني – رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع ــ)، لا سيما في مناطق القلمون وعلى الشريط الحدودي اللبناني-السوري، وذلك في إطار دعمه للنظام بشار الأسد السابق منذ عام 2013.
وتخشى دمشق، وفقاً لمراقبين من أن يؤدي أي تدخل داخل لبنان إلى فتح جبهة جديدة قد تشمل ردود فعل إيرانية أو اضطرابات داخلية، خاصة في ظل التوترات الطائفية التي شهدتها سوريا مؤخراً.
كما أن الجدل الحالي حول التدخل السوري في لبنان يعود بالذاكرة إلى سنوات من الوجود العسكري السوري على الأراضي اللبنانية، الذي استمر قرابة ثلاثة عقود.
فالجيش السوري دخل لبنان في منتصف سبعينيات القرن الماضي في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، في إطار الحرب الأهلية اللبنانية، وانتهى وجوده بالانسحاب عام 2005 خلال حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، إثر ضغوط دولية ومحلية عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط من العام نفسه.