يدفع قائد العمليات البحرية الأميركية، الأدميرال داريل كودل، باتجاه اعتماد قوة بحرية أصغر وأكثر مرونة، بدلًا من الاعتماد الدائم على حاملات الطائرات الضخمة.
تُعيد الولايات المتحدة اليوم تموضع أساطيلها عبر البحار، وتنقل حاملات طائراتها من مسرح إلى آخر، في مشهد يعكس تصاعد التوترات الدولية، وخصوصا في الشرق الأوسط مع إيران. هذا الحراك البحري الكثيف لا يُقرأ فقط كرسالة ردع، بل كعنوان لنقاش داخل المؤسسة العسكرية حول شكل القوة الأميركية وكيفية استخدامها.
وفي قلب هذا النقاش، يبرز طرح يتبناه أعلى ضابط يرتدي الزي العسكري في البحرية الأميركية، قائد العمليات البحرية الأدميرال داريل كودل، يدعو فيه إلى الانتقال من منطق الحشد الثقيل إلى منطق القوة المصممة بحسب طبيعة المهمة. طرح يفتح الباب أمام مقارنات عسكرية مع مفهوم "الحروب الخاطفة" الذي اعتمدته ألمانيا النازية بقيادة أدولف هتلر، والقائم على سرعة الحركة، وتركيز القوة، وتجنب الاستنزاف الطويل.
إعادة توزيع القوة بدل حشدها
في مقابلة مع وكالة "أسوشيتد برس"، عرض كودل ما يسميه "تعليمات القتال"، وهي رؤية تقوم على نشر "حزم قتالية مفصلة" تتناسب مع طبيعة التهديد في كل منطقة، بدلا من الاعتماد التلقائي على مجموعات حاملات الطائرات الضخمة.
وتأتي هذه الرؤية في وقت أعادت فيه واشنطن توجيه أكبر حاملة طائرات في العالم، "USS Gerald R. Ford"، من البحر المتوسط إلى البحر الكاريبي، كما سُحبت "USS Abraham Lincoln" من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط مع تصاعد التوتر مع إيران.
وأوضح كودل أن إعادة نشر الحاملات لمسافات طويلة تعطل خطط الانتشار القائمة، وتزيد الضغط على سفن تواجه تحديات صيانة متراكمة. وأشار إلى أن بعض المهام، مثل اعتراض ناقلات نفط مشبوهة أو مراقبة حركة الشحن، "لا تتطلب مجموعة ضاربة لحاملة طائرات"، لافتا إلى إمكانية تنفيذها عبر سفن قتال ساحلية أصغر، ومروحيات بحرية، وتنسيق مع خفر السواحل.
كما كشف أنه ناقش هذا التوجه مع قائد القيادة الجنوبية الأميركية، وأنهما في تفاوض حول "مجموعة المشكلات" الخاصة بالمنطقة، بهدف توفير قوة مصممة خصيصا لتلبية تلك الاحتياجات.
منطق أقرب إلى "الضربة الخاطفة"
يرتكز طرح كودل على مرونة الانتشار والقدرة على التعويض السريع. فعند سحب حاملة طائرات من مسرح عمليات، يمكن — وفق رؤيته — تعويضها بمجموعة أصغر من السفن تؤدي المهمة المطلوبة.
هذا التفكير يعكس، من حيث المنطق العسكري، فلسفة قريبة من مفهوم "الحرب الخاطفة": قوة أقل حجما، أكثر تخصصا، تتحرك بسرعة، وتنفذ المهمة من دون الانخراط في انتشار واسع وطويل الأمد.
ويشمل ذلك توسيع الاعتماد على الطائرات المسيّرة والأنظمة الروبوتية، لتوفير قدرات استطلاع ومراقبة وتنفيذ بفعالية أكبر وكلفة أقل، مع إقرار بأن إدماج هذه الأدوات يتطلب تغييرا في طريقة تفكير القيادات الميدانية وآليات عملها.
اعتراضات على الطرح
غير أن هذا التوجه لا يخلو من انتقادات داخل الأوساط العسكرية والاستراتيجية. فهناك من يرى أن القطع البحرية الصغيرة، مهما بلغت كفاءتها، لا يمكنها أن تعوض القدرات الشاملة التي توفرها حاملات الطائرات.
ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن الحاملة تؤمن مظلة حماية جوية واسعة، وتتيح نقل قوات وتجهيزات لمسافات بعيدة، وتنفيذ عمليات هجومية كبرى عند الحاجة، إضافة إلى تثبيت حضور عسكري دائم يضمن فرض النفوذ في البحار البعيدة. وبحسب هؤلاء، فإن تقليص الاعتماد على الحاملات قد يحد من قدرة الولايات المتحدة على الردع الشامل في أزمات كبرى، خصوصا في مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط.
بين رؤيتين في مواجهة إيران
في ظل التوتر مع إيران، يتقاطع منهجان: الأول يقوم على الحشد الثقيل والرسائل الواضحة عبر حاملات الطائرات، والثاني يدعو إلى انتشار أكثر مرونة وتخصصا، مع توزيع مدروس للأدوات العسكرية.
وبينما يفضل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إظهار القوة البحرية عبر تحركات كبيرة وعلنية، تطرح رؤية كودل مقاربة مختلفة تقوم على إعادة هيكلة طريقة استخدام هذه القوة.
يبقى ما إذا كانت هذه الرؤية ستتحول إلى سياسة ثابتة في التعامل مع إيران أم ستبقى خيارا تكتيكيا ضمن أدوات متعددة، رهنا بتطورات المرحلة وحسابات القرار في واشنطن.