دفع مقتل يفغيني بريغوجين الكثيرين إلى الاعتقاد بأن مجموعة "فاغنر" ستطوى صفحتها مع رحيل زعيمها، غير أن المعطيات التي ظهرت لاحقًا تشير إلى مسار مختلف تمامًا: تحوّل المجموعة من قوة تقاتل في ساحات خارجية إلى شبكة خفية تنشط داخل دول حلف شمال الأطلسي "الناتو".
رغم نفي الكرملين امتلاك أي سيطرة مباشرة على "فاغنر"، اضطلعت المجموعة قبل مقتل زعيمها بأدوار محورية تمثلت في حماية أنظمة حليفة، وتأمين عقود في قطاع التعدين، والمشاركة في القتال داخل أوكرانيا.
وقد أتاح هذا الأسلوب لموسكو توسيع نفوذها السياسي والعسكري من دون نشر رسمي لقواتها، مع الحفاظ على هامش إنكار لأي تدخل روسي مباشر.
في 23 أغسطس 2023، أكدت روسيا وفاة بريغوجين بتحطم طائرة عبر فحوص جينية، إلى جانب شخصيات بارزة في "فاغنر" من بينهم دميتري أوتكين.
ورجّحت الاستخبارات الأمريكية أن الحادث نجم على الأرجح عن انفجار متعمّد، ويُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره انتقامًا من بريغوجين بعد شهرين من تمرده على القيادة العسكرية الروسية.
حينها، بدا وكأن نهاية "فاغنر" كقوة مستقلة أصبحت أمرًا واقعًا لكن ذلك لم يحدث، فقد تحرّك الكرملين لإحكام قبضته على الهيكل القيادي للمجموعة، وأصدر توجيهات تقضي بإلزام المقاتلين بتوقيع عقود مع وزارة الدفاع الروسية، أو تفكيك وحداتهم وإنهاء نشاطها.
وقد أنشأت وكالة "أسوشيتد برس" قاعدة بيانات استنادًا إلى مقابلات مع أكثر من 40 مسؤولًا أوروبيًا ومن الحلف، ورصدت 145 نشاطًا عدائيًا يُحمّل مسؤولون غربيون روسيا أو وكلاءها أو بيلاروس المسؤولية عنها منذ غزو أوكرانيا عام 2022.
ووفق معطيات الوكالة، تصاعدت مخططات الحرق والتفجير من حالة واحدة في 2023 إلى 26 في 2024، مع تسجيل مزيد من الحالات في 2025، في مؤشر على تزايد العمليات محدودة الكلفة وشديدة الإرباك.
إعادة تشكيل الشبكة
وفق ما أوردته صحيفة "فايننشال تايمز"، استنادًا إلى مسؤولين في الاستخبارات الغربية، فإن "فاغنر" لم تختفِ بل أُعيد تشكيلها: قد لا يرتدي مقاتلوها الزي العسكري على خطوط المواجهة بعد الآن، لكن الشبكات التي تقف وراءهم لا تزال نشطة، وتخدم المصالح الروسية من داخل دول "الناتو" .
أجهزة الاستخبارات الغربية تعتقد أن أجزاء من شبكة "فاغنر" تحولت نحو عمليات سرية في أوروبا، وفق الصحيفة. وبدل تجنيد مقاتلين لحروب الخنادق، يُعتقد أن وسطاء يعملون على استقطاب شبان يعانون هشاشة اقتصادية داخل دول الحلف، وتشجيعهم على تنفيذ أعمال تخريب.
وتُستخدم منصات مشفّرة، ولا سيما "تلغرام"، لإجراء الاتصالات، بما يخلق مسافة فاصلة بين المنفذين وأجهزة الاستخبارات الروسية مثل جهاز الاستخبارات العسكرية "جي آر يو". هذا الهيكل يمنح موسكو هامش إنكار واسعًا، إذ يصعب ربط الأفعال مباشرة بمؤسسات الدولة.
وتسلط "فايننشال تايمز" الضوء على نماذج تم فيها تجنيد أفراد رقميًا ودفعهم إلى مسارات متطرفة، إذ نفذوا هجمات حرق مرتبطة بأهداف ذات صلة بأوكرانيا. ولم تكن عمليات واسعة النطاق، لكنها تُظهر كيف يمكن للتجنيد الرقمي أن يترجم سريعًا إلى خطوات ميدانية على الأرض.