على الرغم من إعلان جاهزيته التشغيلية في نهاية 2025 بعد اجتيازه مرحلة التجارب بنجاح، تمكنت عشرات الطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله من اختراق الحدود والوصول إلى مناطق مأهولة.
أظهرت الجولة الأخيرة من القتال في شمال إسرائيل ثغرات واضحة في قدرات نظام الدفاع الجوي الليزري "آيرون بيم"، الذي صُمّم لمواجهة التهديدات الناجمة عن الطائرات المسيّرة الصغيرة.
وعلى الرغم من إعلان جاهزيته التشغيلية في نهاية 2025 بعد اجتيازه مرحلة التجارب بنجاح، تمكنت عشرات الطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله من اختراق حدود إسرائيل والوصول إلى مناطق مأهولة.
ففي منطقتي كريات شمونة وكيبوتس دافنا، تم تسجيل ما لا يقل عن ثمانية عشر إنذاراً لطائرات مسيّرة، بعضها تحرّك بحرية قبل أن يتم إسقاطه بوسائل تقليدية، سواء بواسطة مروحيات أو حتى الرشاشات.
وأثار هذا الواقع تساؤلات حول فعالية النظام، خاصة بعد أن حقق "آيرون بيم" اعتراضات ناجحة خلال العملية التي أطلقت عليها إسرائيل اسم "سهام الشمال" في 2024، ما يشير إلى أن التجربة الواقعية تختلف عن الاختبارات المعملية.
نظام ليزري متطور
نظام "آيرون بيم" هو نظام دفاع جوي ليزري عالي الطاقة طوّرته إسرائيل لمواجهة التهديدات الناشئة عن الطائرات المسيّرة الصغيرة والطائرات بدون طيار.
ويعتمد النظام على شعاع ليزري بقدرة 100 كيلوواط يركز على الهدف لعدة ثوانٍ حتى يتسبب بفشل هيكلي ويُسقطه.
وقد صُمّم النظام ليكون طبقة إضافية ضمن منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية، مكمّلًا لمنظومة "القبة الحديدية" التقليدية.
ويعتبر "آيرون بيم" فعالًا ضد الأجسام البطيئة والخفيفة، لكنه محدود المدى ويتأثر بالظروف الجوية مثل الضباب والعواصف الترابية والسحب.
من أبرز القيود التي تواجه "آيرون بيم" هي عدم القدرة على التعامل مع الصواريخ الباليستية السريعة، وتحديات الهندسة الحرارية بسبب فقدان جزء كبير من الطاقة على شكل حرارة.
كما أن النظام يهاجم هدفًا واحدًا في كل مرة، ما يجعله أقل فعالية في مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة، ويتطلب تنسيق عدة أنظمة لتحقيق الحماية الكاملة.
ووفق المعلومات المتاحة، يمتلك الجيش الإسرائيلي حالياً عددا قليلا جداً من هذه الأنظمة الليزرية، ولم تُستخدم إلا بشكل محدود في الحملة الحالية.
ولم يقدم المتحدث باسم الجيش أي تعليق حول دور "آيرون بيم" في المعارك شمال البلاد، ما أدى إلى انتشار فيديوهات مضللة على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر شعاع الليزر وكأنه يسقط صواريخ متتالية، وهو ما لا يعكس الواقع الفني والتشغيلي للنظام.
تكاليف ضخمة مقابل فعالية محدودة
وعلى الرغم من التوقعات العالية التي صاحبت إطلاق النظام، واستثمار ملياري شيكل (حوالي 560 مليون يورو) في توسيع الإنتاج ودمجه مع منظومة "القبة الحديدية"، إلا أن أداء "آيرون بيم" محدود. فقد كان من المخطط أن يتولى الليزر مهمة اعتراض أي تهديد منخفض الارتفاع قبل "القبة الحديدية"، لكن الأداء الواقعي أظهر أن الخطط النظرية ليست دائماً قابلة للتطبيق.
وكان رئيس مجلس إدارة شركة "رافائيل"، يوڤال ستينيتز، قد وعد سابقاً بأن النظام سيتيح الاعتراض بتكلفة زهيدة، وقد يكون فعالاً حتى ضد الصواريخ والقذائف.
إلا أن الواقع الحالي يوضح أن "آيرون بيم" فعّال فقط ضد الطائرات المسيّرة الصغيرة، وأن تكلفة كل نظام اعتراض تتجاوز عشرات الملايين من الشواكل، بينما يتطلب إنشاء طبقة حماية فعالة على طول الحدود الشمالية استثمارات إضافية بالمليارات لم تُخصص بعد.
بين الحماس والواقع
يقول اللواء (احتياط) ران كوحاف، قائد سابق لقوات الدفاع الجوي، وزميل باحث في "المعهد الملكي للخدمات المتحدة" بلندن: "لا شك أن النظام يمثل إنجازاً تكنولوجياً مثيراً للإعجاب، ويمكن أن يكون عنصراً إضافياً في الطبقة الدنيا لمنظومة الدفاع الجوي، لكن التوقعات المبالغ فيها حول قدرته على حل مشكلة الدفاع الجوي بالكامل ليست واقعية. الطائرات المسيّرة تكشف فجوة حقيقية في منظومتنا، فحتى الآن يتم إسقاط معظمها بالوسائل التقليدية وليس بالليزر".
وأضاف كوحاف أن النظام ما زال في مراحله المبكرة، ويواجه قيوداً واضحة: "يطلق على مدى قصير، ويتأثر بالظروف الجوية مثل الضباب والعواصف الترابية والسحب، ويقتصر دوره على الطائرات المسيّرة فقط، وليس الصواريخ أو التهديدات الإيرانية. ويبدو أن وعْد ستينيتز بأن الاعتراضات ستكون زهيدة التكلفة قد يكون مبالغاً فيه، إذ أنه لضمان فعالية كاملة للنظام على الحدود، يجب استثمار مليارات الشواكل ونشره بشكل واسع".
القيود التقنية لشعاع الليزر
يشير الخبراء إلى أن النظام يعتمد على شعاع ليزري بقوة 100 كيلوواط يُركز على الهدف لعدة ثوانٍ حتى يتسبب بفشل هيكلي ويُسقطه. وبسبب القدرة المحدودة، يكون فعالاً فقط ضد الأجسام البطيئة والخفيفة، لكنه عاجز عن التعامل مع الصواريخ الباليستية سريعة الحركة، مثل صواريخ إيران أو صواريخ "فاتح" التابعة لحزب الله.
ويضيف د. يهوشع كاليكسي، باحث أول في "معهد الدراسات الأمنية الوطنية": "في الولايات المتحدة، طُوّرت أنظمة ليزر كيميائية بقوة ميغاواط واحد، أي عشرة أضعاف قوة 'آيرون بيم'، لكن المشروع أوقف لأسباب ميزانية. اليوم يحاول الأمريكيون تطوير أنظمة صلبة مشابهة لتقنيتنا لتصل إلى 500 كيلوواط، وقد نتمكن من الاستفادة منها ضمن الاتفاقيات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة".
ويتابع كاليكسي: "المشكلة الأساسية فيزيائية؛ فالليزر فعّال بنسبة 30% فقط، و70% من الطاقة تتحول إلى حرارة. وكلما زادت القوة، زادت تعقيدات تبديد الحرارة، ما يشكل تحدياً هندسياً كبيراً. التحديات تمنع 'آيرون بيم' حالياً من أن يكون نظام اعتراض جماعي مثل 'القبة الحديدية'، ولا يعمل بكفاءة في الظروف الجوية الصعبة، ويواجه صعوبة في التعامل مع أسراب الطائرات لأنه يهاجم هدفاً واحداً في كل مرة. لإسقاط سرب كامل، يلزم وجود عدة أنظمة متزامنة".
إقرار بصعوبة الاعتراض
وكان الجيش الإسرائيلي الأحد قد أقرّ بصعوبة اعتراض مسيّرات يطلقها حزب الله من لبنان، مشيرا إلى أن نسب نجاح عمليات اعتراضها "متدنية جدًا".
ونقلت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن مصادر عسكرية في الجيش، لم تسمّها، قولها إن نسب نجاح عمليات اعتراض الطائرات المسيرة التي يطلقها "حزب الله" من لبنان "متدنية جدا وهناك صعوبة كبيرة في اعتراضها".
وأضافت المصادر أن قرار خوض المعركة ضد "حزب الله" تم اتخاذه في المرحلة الحالية دون إخلاء سكان البلدات الإسرائيلية القريبة من الحدود الشمالية.
ورأت المصادر العسكرية رأت أن "هذه السياسة (عدم إخلاء السكان) ما زالت سارية حتى الآن، مع احتمال اتخاذ قرارات أخرى لاحقًا وفق تطورات الوضع الميداني".
وتابعت أن خطة العمليات في لبنان "ليست محددة بوقت"، فيما حذرت الصحيفة من أن المواجهة قد تتحول إلى "حرب طويلة".