يرى الخبراء أن مدينة بربرة في أرض الصومال تكتسب أهمية استراتيجية بالنسبة لإسرائيل في سياق مواجهة جماعة الحوثي في اليمن، لعدة أسباب جغرافية وعسكرية مرتبطة بموقعها على البحر الأحمر.
تتحرك إسرائيل بهدوء لفتح جبهة جديدة في إفريقيا ضمن مساعيها لمواجهة جماعة الحوثي في اليمن، وذلك عبر تقارب متزايد مع إقليم أرض الصومال غير المعترف به دوليًا، في خطوة قد تحمل تداعيات جيوسياسية في منطقة القرن الإفريقي.
وبحسب تقرير نشرته بلومبيرغ، يدرس مسؤولون إسرائيليون إقامة شراكة استراتيجية مع سلطات الإقليم، قد تشمل إنشاء قاعدة عسكرية أو منشأة عملياتية، وربما بشكل سري، على ساحل خليج عدن، على مسافة تقارب 260 كيلومترًا فقط من اليمن.
وخلال الأشهر الأخيرة، زار ضباط استخبارات إسرائيليون الإقليم لتحديد موقع محتمل للقاعدة على الساحل. وكانت أرض الصومال قد أعلنت استقلالها من جانب واحد عن الصومال عام 1991، لكنها لا تزال تفتقر إلى اعتراف دولي واسع.
دور الحوثيين في حرب غزة
ويأتي هذا التحرك في ظل تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران، إذ أصبحت جماعة الحوثي، التي تتلقى دعماً من طهران، محور اهتمام رئيسي في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، خاصة بعد الحرب في غزة.
وبرزت جماعة الحوثي في اليمن كأحد أبرز الأطراف الإقليمية التي انخرطت في تداعيات حرب غزة. فمنذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في أكتوبر 2023، أعلنت الجماعة دعمها للفلسطينيين، ونفذت سلسلة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت مواقع داخل إسرائيل أو سفنًا مرتبطة بها في البحر الأحمر.
كما وسّع الحوثيون نطاق عملياتهم ليشمل استهداف حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومحيط مضيق باب المندب، وهو أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وقد أدى ذلك إلى اضطراب كبير في طرق التجارة العالمية، إذ اضطرت العديد من شركات الشحن إلى تحويل مساراتها بعيدًا عن المنطقة، ما زاد من تعقيد المشهد الأمني في الشرق الأوسط.
وفي ظل هذه التطورات، تنظر إسرائيل إلى الحوثيين باعتبارهم جزءًا من شبكة إقليمية مرتبطة بإيران، تشمل أيضًا فصائل مسلحة في لبنان وسوريا والعراق.
ومن هذا المنطلق، تسعى تل أبيب إلى مراقبة تحركات الجماعة والحد من قدراتها العسكرية، وهو ما يفسر اهتمامها بفتح جبهة استراتيجية جديدة في القرن الإفريقي يمكن من خلالها متابعة نشاط الحوثيين قرب خطوط الملاحة الحيوية.
وأشار جنرال إسرائيلي إلى أن المعلومات الاستخباراتية تفيد بأن الحوثيين يمتلكون مئات الصواريخ القادرة على الوصول إلى تل أبيب، إضافة إلى شبكات إقليمية تمتد إلى دول عدة، من بينها سوريا ومصر.
عين إسرائيل على بربرة
ويرى الخبراء أن مدينة بربرة في أرض الصومال تكتسب أهمية استراتيجية بالنسبة لإسرائيل في سياق مواجهة جماعة الحوثي في اليمن، لعدة أسباب جغرافية وعسكرية مرتبطة بموقعها على البحر الأحمر.
وتقع بربرة على الساحل الجنوبي لخليج عدن وعلى مقربة من مضيق باب المندب، وهو الممر البحري الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية. وتفصلها عن السواحل اليمنية مسافة قصيرة نسبيًا، ما يجعلها موقعًا مناسبًا لمراقبة التحركات البحرية والعسكرية للحوثيين، الذين ينشطون في مناطق مطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.
وإذا حصلت إسرائيل على موطئ قدم في بربرة، فإن ذلك قد يوفر نقطة متقدمة لعمليات المراقبة والاستخبارات ضد الحوثيين، سواء عبر الطائرات المسيرة أو أنظمة الرصد البحري. ومن هناك يمكن تتبع إطلاق الصواريخ أو الطائرات المسيّرة التي قد تستهدف السفن أو الأراضي الإسرائيلية.
كما أن وجود موقع قريب من باب المندب مثل بربرة يمنح إسرائيل قدرة أكبر على متابعة حركة الملاحة والتدخل عند الضرورة لحماية السفن المرتبطة بها أو بحلفائها.
وتضم بربرة أحد أطول مدارج الطائرات في إفريقيا، بطول يقارب خمسة كيلومترات، إضافة إلى ميناء عميق المياه، ما يجعل المدينة قادرة على استضافة طائرات عسكرية كبيرة أو سفن حربية، وهو ما يعزز قيمتها كقاعدة لوجستية محتملة لأي عمليات في المنطقة.
تحركات صومالية
لكن بلومبيرغ اعتبرت أن هذه الخطوة قد تنطوي على مخاطر سياسية وأمنية، إذ باعتراف إسرائيل رسميًا بسيادة أرض الصومال، فإنها تصبح الدولة الوحيدة في العالم التي تقدم على ذلك، الأمر الذي قد يضعها في مواجهة مباشرة مع تركيا، أحد أبرز الداعمين للحكومة الصومالية في مقديشو، والتي ترفض بشكل قاطع أي مساعٍ لانفصال الإقليم.
وأثار اعتراف إسرائيل بأرض الصومال توترًا جديدًا في منطقة القرن الإفريقي، ودفع حكومة الصومال إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية لتعزيز موقعها الإقليمي. وفي هذا السياق، سعت مقديشو إلى توسيع شبكة شراكاتها الدفاعية مع عدد من الدول، في محاولة لموازنة أي تحولات استراتيجية قد تنتج عن التقارب الإسرائيلي مع الإقليم المنفصل.
ومن أبرز هذه التحركات تعزيز التعاون العسكري مع تركيا، التي تعد أحد أهم الداعمين للحكومة الصومالية. فقد وسعت أنقرة برامج التدريب العسكري للقوات الصومالية وواصلت تشغيل قاعدتها العسكرية في مقديشو، إضافة إلى دعم خطط تطوير القدرات البحرية لحماية السواحل الصومالية، في ظل تزايد التنافس الإقليمي في البحر الأحمر وخليج عدن.
كما تحركت مقديشو لتعزيز علاقاتها الدفاعية مع المملكة العربية السعودية، حيث اتفق الجانبان على توسيع التعاون العسكري والأمني، بما يشمل التنسيق في حماية الملاحة البحرية ومكافحة التهديدات في البحر الأحمر. ويأتي هذا التعاون في إطار اهتمام الرياض المتزايد بأمن الممرات البحرية القريبة من مضيق باب المندب، وهو أحد أهم الممرات الاستراتيجية للتجارة والطاقة عالميًا.
وفي الوقت نفسه، فتحت الصومال الباب أمام تعاون أوسع مع الولايات المتحدة وشركاء دوليين آخرين، عارضة استخدام موانئها ومطاراتها لأغراض عسكرية وأمنية. ويهدف هذا التحرك إلى تعزيز موقع الصومال الاستراتيجي وإبراز دوره كشريك أساسي في أمن البحر الأحمر وخليج عدن، في ظل التنافس الدولي المتزايد في المنطقة.
وفي السياق، عرضت الصومال على الولايات المتحدة استخدام موانئها ومطاراتها لأغراض عسكرية، في مؤشر على تصاعد التنافس الجيوسياسي في المنطقة.
كما قد يجعل هذا التقارب أرض الصومال هدفًا محتملاً في أي تصعيد إقليمي، إذ يُنظر إلى الإقليم على أنه يملك قدرات دفاعية محدودة وعددًا قليلاً من الحلفاء، رغم موقعه الاستراتيجي المطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، قرب مضيق باب المندب الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية.
وتعكس هذه التحركات اتساع رقعة الصراع غير المباشر بين إسرائيل وإيران خارج الشرق الأوسط، مع انتقال بعض أبعاده إلى مناطق جديدة مثل القرن الإفريقي، حيث تتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية للدول الإقليمية والدولية.