رغم الشكاوى من محدودية التنوع الغذائي، يرى بعض النازحين في هذه الوجبات الحد الأدنى الممكن للبقاء كما يقول لؤي سهمود، النازح من شرق غزة: “العدس الحمد لله نعمة، ما كنا نلاقيه أصلاً، وكنا نروح ع الموت عشان نجيبه ونطعمي ولادنا. هو رحمة إلنا، بس ما بينفع يحطوا شوية لحمة فوق الرز ع الطنجرة الكبيرة”.
يواجه نحو 1.6 مليون شخص في قطاع غزة، أي ما يعادل 77% من السكان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق أحدث تقديرات برنامج الأغذية العالمي وتصنيفات الأمن الغذائي (IPC) الصادرة بين أبريل ومايو 2026. ويأتي هذا التراجع في ظل أزمة تمويل خانقة يعيشوها القطاع، إذ لم تغطّ العمليات الإنسانية سوى 10% من الاحتياجات المطلوبة لهذا العام.
تعطل أجهزة المسح وقيود عل عمليات العبور: لماذا تراجعت مساعدات غزة بنسبة 37%؟
وتكشف أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عن تراجع تدفقات المساعدات بنسبة 37% بين الفترتين الأولى والثانية التاليتين لاتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025. فقد انخفضت من أكثر من 167,600 طن متري خلال الأشهر الثلاثة الأولى إلى أقل من 105,000 طن متري بين يناير وأبريل 2026.
وتعزو التقارير هذا التراجع إلى قيود على عمليات العبور، وارتفاع معدلات إعادة الشاحنات، إلى جانب أعطال تقنية في أجهزة المسح، ما أدى إلى تآكل ملموس في احتياطيات الغذاء والوقود داخل القطاع.
وبحسب التقديرات ذاتها، يواجه أكثر من 71,000 طفل دون سن الخامسة خطر سوء التغذية الحاد خلال عام 2026. وفي الوقت نفسه، بلغ إنتاج الوجبات اليومية نحو 428,000 وجبة خلال أبريل، وهو رقم يقل بشكل واضح عن حجم الطلب الفعلي في ظل الكثافة المرتفعة في مراكز النزوح.
كما حذّرت أوتشا من أن أربعة أشهر مضت من عام 2026 دون تأمين سوى 10% من التمويل اللازم لتغطية العمليات الإنسانية الحرجة لهذا العام.
“التكايا” ملاذ الجائعين ولكن..
في مراكز النزوح الممتدة من رفح جنوباً حتى غزة شمالاً، أصبحت "التكايا" أو المطابخ الخيرية المصدر الرئيسي للوجبات اليومية. إلا أن وتيرة عملها تراجعت في العديد من المناطق إلى يوم أو يومين في الأسبوع، مع اعتماد متكرر على وجبات محدودة المكونات تقوم أساساً على البقوليات والمعكرونة، وغياب شبه كامل للحوم والخضروات الطازجة.
يقول عبد الله زقوت، وهو نازح من مخيم الشاطئ:
"التكية بيجيبوها يوم أو يومين بالأسبوع رز ولحم، بس الي بيجي غالباً عدس وفاصوليا. لو إجت يومين أو تلاتة بالأسبوع وتكون نظيفة أحسن، الواحد شو بده يعمل؟ زهقنا العدس".
وفي بعض الحالات، يدفع تكرار الوجبات إلى عزوف جزئي عن استهلاكها، كما يوضح حسان العزازي، النازح من شرق البريج:
“مش كل يوم بجيبوا رز ولحمة، بجيبوا عدس ومعكرونة ودمسة وبرغل. بس مرة كل أسبوع أو أسبوعين ممكن يجيبوا لحمة ورز. إحنا بنطالب يراعوا المعاناة اللي إحنا فيها. البقوليات الواحد بيزهقها، لدرجة إنه الأكل بيفيض وبينكب برة".
وتشير تقارير أوتشا إلى أن غياب التنوع الغذائي لا يزال أزمة بنيوية مستمرة، إذ لا يستوفي أي طفل تتراوح أعماره بين 6 و23 شهراً الحد الأدنى من التنوع الغذائي. كما يعاني 71.5% من الأطفال من فقر غذائي حاد، يقتصر غذاؤهم على مجموعتين غذائيتين أو أقل من أصل ثماني.
طوابير الفجر وأزمة الرغيف.. رحلة البحث عن ربطة خبزبـ 3 شواكل (1.3 دولار)
ولا تقتصر الأزمة على نوعية الطعام، بل تمتد إلى الخبز، الذي لم يعد يُوزع بانتظام كما في السابق. ويدفع ذلك النازحين إلى الوقوف في طوابير لساعات طويلة للحصول عليه، في ظل نقص الدقيق وارتفاع تكلفة الإنتاج.
يروي جاد الله مصران (86 عاماً)، النازح من شرق البريج:
"كل اللي بيجي معكرونة وفاصوليا وعدس. الخبز كانوا يجيبوه وبطلوا بالمرة. أنا زلمة كبير بالعمر، بطلع كل يوم من الساعة 5:30 منشان أصف دور وأجيب ربطة خبز، بدل ما كانت تجيني جاهزة لعند الخيمة".
ومن رفح، يصف ناصر فروانة كيف تحوّل ثمن الخبز إلى عبء إضافي على العائلات النازحة:
"التكية لما تيجي علينا بتعيشنا بمعاناة، بطلت تيجي وأحياناً بتيجي بالأسبوع يوم واحد. زمان كنا نحط شيكل ونأخذ ربطة خبز، اليوم بنحط 3 شيكل وبنروح ع المخبز بمعاناة عشان نجيبها".
وتشير بيانات غرفة تجارة وصناعة غزة، التي رصدتها أوتشا، إلى تراجع ملحوظ في تدفق الشاحنات التجارية. ما أسهم في زيادة تقلبات الأسعار وإضعاف قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية.
"غزة على حافة المجاعة".. تحذيرات أممية من مخاطر سوء التغذية وضياع ما تحقق
ورغم الشكاوى من محدودية التنوع الغذائي، يرى بعض النازحين في هذه الوجبات الحد الأدنى الممكن للبقاء كما يقول لؤي سهمود، النازح من شرق غزة:
“العدس الحمد لله نعمة، ما كنا نلاقيه أصلاً، وكنا نروح ع الموت عشان نجيبه ونطعمي ولادنا. هو رحمة إلنا، بس ما بينفع يحطوا شوية لحمة فوق الرز ع الطنجرة الكبيرة”.
وحذّرت منظمة الأغذية والزراعة (FAO) واليونيسف وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية من أن المكتسبات الإنسانية التي تحققت في أعقاب وقف إطلاق النار لا تزال هشة، وأن استمرار تراجع التمويل وتقييد الوصول الإنساني قد يعيد القطاع بسرعة إلى مستويات المجاعة.
ومع تسجيل 428,000 وجبة يومية لأكثر من مليون ونصف نازح، وتراجع تدفق المساعدات بنسبة 37% مقارنة بالأشهر الثلاثة الأولى من وقف إطلاق النار، يبقى المتاح أقل بكثير من حجم الحاجة الفعلية.