يقول محمد دغمان إن إسرائيل "دولة توسعية"، وقد تكون "متفوقة تكنولوجيًا"، لكنها، وفق رأيه، "لا تستطيع كسر إرادة أهالي الجنوب".
بين خيام بلاستيكية على قارعة طريق في بيروت، لا ترد برداً ولا توقف مطراً، يعيش النازحون الجنوبيون لحظاتهم الثقيلة. أصوات الغارات تهز السماء من جهة الضاحية، وأخبار التقدم الإسرائيلي في الجنوب تصلهم كصفعة جديدة، لكنهم يكنسون اليأس عن قلوبهم كما يكنسون غبار الأرصفة.
هنا، حيث تجمع النازحين أكثر مما يفرقهم، يتشارك محمد دغمان من النبطية ومحمد ونسة من دبين أملًا واحدًا: العودة إلى المنزل.
يقول دغمان إن إسرائيل "دولة توسعية" وقد تكون "متفوقة تكنولوجيًا" لكنها وفق رؤيته "لا تستطيع كسر إرادتهم"، بينما يضيف ونسة من داخل خيمته وسط العاصمة: "حتى لو أخذوا الجنوب، سنستعيده كما فعلنا من قبل، كما في كل مرة. سنعود إلى منازلنا، حتمًا سنعود إليها".
منطقة عازلة حتى الليطاني
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس قد أعلنا عن نية إسرائيل إنشاء منطقة عازلة تمتد حتى نهر الليطاني، ما يعني خسارة مئات الآلاف من العائلات اللبنانية لمنازلها، في مشهد يعيد إلى الأذهان أيام الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
اجتياح 1982
ففي مارس 1978، شنت إسرائيل عملية عسكرية واسعة في جنوب لبنان تحت اسم "عملية الليطاني" لطرد الفصائل الفلسطينية المسلحة من المنطقة الحدودية، تلتها عملية اجتياح بري واسع باسم "سلام الجليل" بأمر من حكومة مناحيم بيغن.
في تلك الفترة، تمكن الجيش الإسرائيلي حينها من احتلال مدينة صور والنبطية وحاصبيا والشوف في يومين، ووصل إلى ضواحي بيروت في 10 يونيو، قبل أن يحتل القصر الرئاسي بعد ثلاثة أيام.
بوعد ثلاث سنوات، انسحبت إسرائيل جزئياً من لبنان، لكنها أبقت على منطقة أمنية حدودية في الجنوب بالتعاون مع مليشيا موالية لها عُرفت بـ"جيش لبنان الجنوبي" أو "جيش لحد"، الذي وُسم بالعمالة في لبنان. غير أن معارك الاستنزاف مع الفصائل المسلحة أجبرتها على الانسحاب غير المشروط في 25 مايو 2000، لينتهي احتلال دام 22 عاماً.
موازين المعركة: التوغل مقابل الكمائن
ومنذ نحو شهر، يخوض حزب الله -الذي أكد أنه لن يسمح باحتلال الجنوب مجدداً- معارك برية ضارية تتركز في الخيام ورأس الناقورة والطيبة.
وبحسب خبراء، يعتمد الجيش الإسرائيلي على ثلاثة محاور هجومية متوازية، مع تركيز خاص على نقاط استراتيجية مثل مثلث البياضة ومرتفعاته.
في المقابل، يعتمد حزب الله أداءً تكتيكياً يتيح للجيش الإسرائيلي التوغل جزئياً في اتجاهات معينة ليتمكن من ضربه من الأجناب والخلف، ما يجعل تثبيت الأخير لنقاط دائمة أمراً صعباً.
وفي هذا السياق، فإن كثيرًامن النازحين يتأملون وقف إطلاق النار والعودة إلى منازلهم، معوّلين على قدرة حزب الله على "مقاومة التوغل البري"، خاصة بعد أن أظهر أداءً متطوراً مقارنة بالحرب الماضية، لكنهم يخشون في ذات الوقت من الطموحات الإسرائيلية، والتصريحات التي أكدت أن تل أبيب لن ترضى بخوض جولات جديدة مع الحزب، بل تريد القضاء عليه.
بين الأمل الإسرائيلي في "الحزام" ومخاوف تكرار الفشل
أما في إسرائيل، فرغم الإجماع على ضرورة إنهاء تهديد حزب الله، فإن ثمة جهات غير راضية عن أداء الجيش. فقد نقلت القناة 13 أن "الجيش الإسرائيلي لا يرغب بالقول صراحة إننا بعد 15 عاماً من تجربة الحزام الأمني الفاشلة في لبنان نعود لتكرارها"، فيما نقلت يديعوت أحرونوت عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين قولهم: "لن نغادر جنوبي لبنان حتى لو انتهت الحرب".