لم يمضِ سوى يومين على دخول الهدنة المؤقتة في لبنان حيّز التنفيذ، حتى تعرضت دورية تابعة لقوات "اليونيفيل" في الجنوب لهجوم خلّف قتيلًا من الجنود الفرنسيين وعددًا من الجرحى. وبين روايات متناقضة واتهامات متبادلة، من الجهة التي تقف خلف الهجوم؟
قُتل جندي فرنسي وأُصيب ثلاثة آخرون، أمس السبت، اثنان منهم بجروح خطيرة، إثر هجوم استهدف قوة من الأمم المتحدة أثناء تنفيذ مهمة ميدانية.
الجندي القتيل هو الرقيب أول فلوريان مونتوريو، الذي تعرّض، وفق وزيرة القوات المسلحة الفرنسية كاترين فوتران، لـ"كمين" أثناء توجه وحدته إلى موقع تابع لليونيفيل كان معزولًا منذ أيام بسبب القتال.
وتوضح فوتران أن الهجوم نُفّذ عبر "إطلاق نار مباشر" ومن "مسافة قريبة جدًا" من قبل مجموعة مسلحة، مشيرة إلى أن زملاءه سحبوه تحت النيران، لكن محاولات إنعاشه باءت بالفشل.
وجاءت هذه الحادثة في اليوم الثاني من هدنة لمدة 10 أيام بين إسرائيل وحزب الله، أُعلن عنها بهدف التفاوض على إنهاء ستة أسابيع من الحرب.
من أطلق النار؟
سرعان ما وُجّهت أصابع الاتهام إلى حزب الله، إذ أعلنت "اليونيفيل" أن عناصرها تعرضوا لإطلاق نار من أسلحة خفيفة من قبل "جهات غير حكومية" أثناء عملهم على إزالة ذخائر غير منفجرة في بلدة الغندورية للوصول إلى موقعهم، مشيرة إلى أن التقييم الأولي يرجّح أن مصدر النيران هو حزب الله، وأن الحادثة قد ترقى إلى "جرائم حرب"، وفتحت تحقيقًا خاصًا بها.
وأدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الهجوم، معتبرًا أن التقييم الأولي يشير إلى تورط "جماعة مدعومة من إيران".
كما ذهب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أبعد من ذلك، مؤكدًا أن "كل المؤشرات تدل على أن حزب الله مسؤول".
ودعا السلطات اللبنانية إلى توقيف المنفذين، ومشددًا خلال اتصالاته مع الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام على ضرورة ضمان أمن قوات اليونيفيل.
أما إسرائيل، فادّعت أن "خلية تابعة لحزب الله" هي التي أطلقت النار على عناصر القوة الدولية خلال تنفيذهم مهمة إزالة ذخائر في الغندورية، معتبرة أن الحزب يستغل وقف إطلاق النار لتنفيذ "أنشطة إرهابية" تعرّض المدنيين والمنظمات الدولية للخطر.
في المقابل، ينفي حزب الله بشكل قاطع أي علاقة له بالهجوم. وفي بيان رسمي، أكد أنه "لا صلة له بالحادث"، داعيًا إلى "التريث في إصدار الأحكام" وانتظار نتائج تحقيق الجيش اللبناني لكشف ملابسات ما جرى بالكامل.
وقد توالت الإدانات الرسمية اللبنانية للهجوم مع الدعوة إلى التحقيق. فقد استنكر رئيس الحكومة نواف سلام الاعتداء، معلنًا إصدار تعليمات بإجراء "تحقيق فوري" لكشف الملابسات ومحاسبة المسؤولين، محذرًا من تداعيات هذا "السلوك غير المسؤول" على علاقات لبنان الدولية.
من جهته، أدان الرئيس جوزاف عون الحادث وتعهد بالمحاسبة، فيما عبّر رئيس البرلمان نبيه بري عن إدانته، مثمنًا تضحيات قوات اليونيفيل، لا سيما الكتيبة الفرنسية، ومجريًا اتصالًا بقائدها للتعزية.
الجيش اللبناني بدوره أعلن استنكاره للحادثة التي وقعت "إثر تبادل لإطلاق النار مع مسلحين"، مؤكّدًا استمرار التنسيق مع اليونيفيل، وبدء تحقيق لتحديد المسؤولين وتوقيفهم.
استهداف متكرر لقوات "اليونيفيل"
شهدت الأشهر الأخيرة، وفق "اليونيفيل"، حوادث متكررة استهدفت قواتها، متهمةً إسرائيل وحزب الله بالوقوف خلف عدد منها. إذاً، هل يمكن فصل هذا الهجوم عن سياق أوسع من الاستهداف المتكرر لقوات حفظ السلام في لبنان؟
قُتل الشهر الماضي ثلاثة من عناصرها الإندونيسيين، إذ خلص تحقيق أولي للأمم المتحدة إلى أن أحدهم قُتل بنيران دبابة إسرائيلية، فيما قُتل الآخران بعبوة ناسفة يُرجح أن حزب الله زرعها، وفق التحقيق.
كما سُجلت إصابات أخرى في صفوف القوة الدولية منذ اندلاع الحرب، وتحدثت "اليونيفيل" عن تدمير جنود إسرائيليين كاميرات مراقبة في أحد مقارها في نيسان/أبريل، إضافة إلى حادثتين الأسبوع الماضي صدمت خلالهما دبابة إسرائيلية مركبات تابعة لها، ما أدى إلى أضرار دون إصابات.
ومنذ أشهر طويلة، بدت العلاقة بين "اليونيفيل" وإسرائيل بدورها متوترة، إذ طالبت القوة الدولية مرارًا إسرائيل بالكف عن "السلوك العدواني" واستهداف جنودها، متهمة مواقع إسرائيلية بإطلاق النار على قواتها قرب الخط الأزرق في أكثر من مناسبة.
في المقابل، اتهمت إسرائيل "اليونيفيل" بأنها تقوّض الأمن في جنوب لبنان ولا تسهم في نزع سلاح حزب الله، معربة عن قلقها من احتمال تسريب معلومات استخباراتية إلى الحزب.
وفي ظل هذا المشهد المعقّد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تكشف التحقيقات هوية الجهة التي أطلقت النار فعلًا؟ أم أن مقتل الجندي الفرنسي سيُضاف إلى سلسلة حوادث لم يُكشف عن الجهة المسؤولة عنها بعد؟