تُظهر السجلات أن هذا النوع من النحل موجود في المقبرة منذ أوائل القرن العشرين، ما يجعلها بيئة مستقرة طويلة الأمد للتنوع البيولوجي، إذ توفّر المقابر القديمة ملاذًا للعديد من الكائنات بسبب قلة استخدام المبيدات وعدم اضطراب التربة.
أُكتشفت مستعمرة ضخمة من الملقّحات الحيوية داخل مقبرة في ولاية نيويورك، في ظاهرة تسلّط الضوء على الأهمية البيئية للنحل وضرورة حماية موائله الطبيعية.
كانت راشيل فورديس توفر المال من خلال ركن سيارتها مجانًا في منطقة إيست هيل بلازا بمدينة إيثاكا، ثم تعبر مقبرة إيست لاون في طريقها إلى عملها كفنية في مختبر علم الحشرات بجامعة كورنيل. وفي ربيع عام 2022، وصلت ذات يوم وهي تحمل وعاءً مليئًا بالنحل.
وقالت لمديرها، البروفيسور براين دانفورث: "هذه موجودة في كل أنحاء المقبرة". وتبيّن أن الحشرات هي من نوع Andrena regularis، وهو نحل بري انفرادي يعيش في الأرض ويلعب دورًا مهمًا في التلقيح.
وقاد هذا الاكتشاف إلى نتيجة لافتة لاحقًا، إذ وجد الباحثون أن المقبرة تحتضن واحدة من أكبر وأقدم تجمعات النحل الأرضي المعروف، ويُقدَّر عددها بنحو 5.5 مليون نحلة، أي ما يعادل أكثر من 200 خلية نحل عسلية في مساحة لا تتجاوز 1.5 فدان، وأكثر من ثلاثة أضعاف سكان مانهاتن.
وقال الباحث ستيف هوغ، المعد الرئيسي للدراسة: "أنا متأكد أن هناك تجمعات أخرى كبيرة في العالم لم نكتشفها بعد، لكن هذه واحدة من الأكبر في الأدبيات العلمية".
وأكد البروفيسور دانفورث أن الدراسة تُبرز أهمية النحل البري في تلقيح محاصيل حيوية مثل التفاح، وتشدد على ضرورة حماية مواقع تعشيشها.
وتُظهر السجلات أن هذا النوع من النحل موجود في المقبرة منذ أوائل القرن العشرين، ما يجعلها بيئة مستقرة طويلة الأمد للتنوع البيولوجي، حيث توفر المقابر القديمة ملاذًا للعديد من الكائنات بسبب قلة المبيدات وعدم اضطراب التربة.
ويعيش هذا النوع من النحل حياة انفرادية، حيث تحفر الإناث أعشاشًا تحت الأرض وتخزن فيها الغذاء لليرقات، التي تتطور لاحقًا تحت سطح التربة. ويتميز بإيقاع حياة مرتبط بتفتح الأزهار في الربيع، خاصة أشجار التفاح.
وأظهرت الدراسة أن النحل يخرج في فترات متزامنة مع ارتفاع درجات الحرارة، حيث يسبق الذكور الإناث في الظهور لضمان فرص التزاوج.
كما كشفت الأبحاث عن وجود طفيليات نحل "الوقواق" التي تستغل أعشاش النحل الأصلي لوضع بيضها، ما يؤدي إلى القضاء على اليرقات المضيفة.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تؤكد أهمية المقابر كمناطق حيوية للتنوع البيولوجي، وأن أي تدمير لمواقع التعشيش قد يؤدي إلى خسارة ملايين النحل الملقّح الضروري للزراعة والنظام البيئي.
ورغم ذلك، يتعرض النحل والملقحات الأخرى فعليا لتهديد متزايد جراء الأنشطة البشرية مثل استخدام مبيدات الآفات، والتلوث البيئي الذي يشمل جزيئات البلاستيك والتلوث الكهرومغناطيسي (ذبذبات أبراج الاتصالات والهواتف المحمولة وخطوط الكهرباء)، والأنواع الغازية لموائله، والتغير المناخي.
ورغم أن الصورة البارزة تشير إلى وضع كارثي يتعلق بتعداد النحل العالمي، يظهر تحليل البيانات التي وردت في نشرة منظمة الفاو العام الماضي أن فكرة انهيار أعداد النحل عالميا ليست دقيقة تماما، لكن مع ذلك يبقى مستقبل أعداد النحل العالمية غير مؤكد تماما.
وتشير تلك البيانات إلى أن أعداد النحل في بعض الدول الآسيوية تشهد تزايدا مطردا، بينما تواجه في الولايات المتحدة وأميركا الشمالية بشكل عام تحديات كبيرة في العقود الأخيرة، بسبب تدمير الموائل، والتعرض للمبيدات الحشرية، وتغير المناخ، والأمراض، والطفيليات.
ويعود تزايد أعداد النحل في آسيا إلى التنوع الطبيعي في القارة، والمناخ المعتدل، وتقاليد تربية النحل العريقة، وازدهار تربية النحل التجارية، وعلى سبيل المثال عززت الصين، أكبر منتج للعسل في العالم، أعداد نحل العسل لديها بشكل كبير لتلبية الطلب العالمي.
وإذا اعتمدت المناطق التي تواجه تدهورا سياسات أكثر صرامة للحفاظ على النحل وممارسات زراعية مستدامة، فقد تُسهم في استقرار أعداد النحل، بل وتعزيزها، في السنوات القادمة. في الوقت نفسه، يجب على الدول التي تشهد تزايدا في أعداد النحل أن تظلّ متيقظة للتهديدات الناشئة لحماية إنجازاتها، بحسب الفاو.