من غير الواضح حتى الآن ما إذا كان المؤتمر، الذي يستمر أسبوعين في مقر الأمم المتحدة، سيتمكن من تحقيق نتائج ملموسة، في ظل الانقسامات الجيوسياسية الحالية.
حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من تسارع وتيرة انتشار الأسلحة النووية، وذلك في افتتاح اجتماع الدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية يوم الاثنين.
وأكد غوتيريش في كلمته أن المعاهدة تواجه تراجعًا واضحًا في فعاليتها، في ظل ضعف تنفيذ الالتزامات وتآكل الثقة بين الدول، مشددًا على ضرورة إعادة إحيائها وتعزيز دورها في الحد من الانتشار النووي.
ويأتي هذا الاجتماع في وقت تتزايد فيه المخاوف من عودة سباق التسلح، خصوصًا مع تصاعد التوترات الدولية. وكان غوتيريش قد نبّه خلال مراجعة سابقة للمعاهدة عام 2022 إلى أن العالم بات على بُعد خطأ واحد من كارثة نووية.
ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كان المؤتمر، الذي يستمر أسبوعين في مقر الأمم المتحدة، سيتمكن من تحقيق نتائج ملموسة، في ظل الانقسامات الجيوسياسية الحالية.
من جانبه، أوضح سفير فيتنام لدى الأمم المتحدة ورئيس المؤتمر، دو هونغ فييت، أنه لا ينبغي توقع حلول شاملة للخلافات الاستراتيجية الراهنة، لكنه أشار إلى أن التوصل إلى مخرجات متوازنة تعيد التأكيد على الالتزامات الأساسية وتطرح خطوات عملية للمستقبل من شأنه أن يدعم مصداقية المعاهدة.
وأضاف أن نتائج المؤتمر، سواء كانت إيجابية أو سلبية، ستنعكس آثارها إلى ما هو أبعد من نطاقه الزمني، في ظل مؤشرات متزايدة على احتمال انطلاق سباق تسلح نووي جديد.
وتسعى معاهدة عدم الانتشار، التي انضمت إليها غالبية دول العالم باستثناء دول مثل إسرائيل والهند وباكستان، إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية، وتعزيز نزعها، إلى جانب دعم الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وبحسب أحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ عدد الرؤوس النووية لدى الدول التسع المالكة لها نحو 12,241 رأسًا حتى يناير 2025، تتوزع بين روسيا والولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة والصين والهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية.
نهاية "نيو ستارت"
ويُذكر أن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان النسبة الأكبر من هذه الترسانة، إذ تسيطران على قرابة 90% من إجمالي الأسلحة النووية في العالم، مع استمرار استثماراتهما في برامج التحديث خلال السنوات الأخيرة.
انتهت آخر معاهدة رئيسية للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا "نيو ستارت" في 5 فبراير 2026 دون التوصل إلى اتفاق بديل.
وكانت هذه المعاهدة، الموقعة عام 2010، تمثل الإطار الأخير الذي ينظم سقف الرؤوس النووية ووسائل إطلاقها لدى القوتين، قبل أن يتم تمديدها في 2021 لمدة خمس سنوات، وهي أقصى فترة يسمح بها نصها.
ورغم انتهاء العمل الرسمي بالمعاهدة، تشير المعطيات إلى وجود تفاهم غير معلن بين موسكو وواشنطن للحفاظ مؤقتًا على القيود السابقة، في محاولة لتفادي انزلاق سريع نحو سباق تسلح جديد، إلى حين استئناف مفاوضات أكثر جدية حول اتفاق بديل.
في المقابل، تعثرت الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى إطار جديد بفعل عدة عوامل، أبرزها التوتر الحاد في العلاقات على خلفية الحرب في أوكرانيا، إضافة إلى الخلاف حول ضرورة إشراك الصين في أي اتفاق مستقبلي، فضلًا عن التعقيدات التقنية المرتبطة بظهور أنظمة تسليح حديثة مثل الصواريخ فرط الصوتية، ما زاد من صعوبة التوصل إلى تفاهم شامل.
معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية
وعلى المستوى الدولي، تُعد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية من أبرز الاتفاقيات الدولية، إذ تهدف إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية وتقنياتها، مع تشجيع التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية.
وقد دخلت المعاهدة حيّز التنفيذ سنة 1970، وتُعد اليوم الأكثر شمولًا من حيث عدد الدول المنضمة إليها ضمن اتفاقيات الحد من التسلح.
وترتكز المعاهدة على ثلاثة مبادئ رئيسية تتمثل في منع الانتشار، حيث تلتزم الدول النووية الخمس المعترف بها، وهي الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين، بعدم نقل الأسلحة النووية أو المعرفة المرتبطة بها، في حين تتعهد الدول غير النووية بعدم السعي لامتلاك هذا النوع من الأسلحة.
أما المبدأ الثاني فيتعلق بنزع السلاح، إذ تنص المعاهدة على ضرورة انخراط الدول النووية في مفاوضات جادة تهدف إلى إنهاء سباق التسلح والتخلص التدريجي من الترسانات النووية.
ويكمن المبدأ الثالث في ضمان حق الدول في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، كإنتاج الكهرباء أو التطبيقات الطبية، ضمن رقابة دولية.
وفي هذا السياق، تضطلع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدور أساسي في مراقبة التزام الدول ببنود المعاهدة، من خلال عمليات تفتيش دورية للتأكد من أن البرامج النووية تُستخدم لأهداف سلمية فقط.
ورغم ما حققته المعاهدة من نجاح نسبي، فإنها تواجه تحديات مستمرة، من بينها وجود دول لم تنضم إليها مثل الهند وباكستان وإسرائيل، إضافة إلى انسحاب كوريا الشمالية عام 2003 وتطويرها لاحقًا برنامجًا نوويًا عسكريًا.
كما تُوجَّه انتقادات للدول النووية الكبرى بسبب بطء التقدم في مسار نزع السلاح، ما يثير تساؤلات حول مدى التزامها الكامل بروح المعاهدة وأهدافها.