وفق منظمة الصحة العالمية، يعمل أقل من نصف مستشفيات قطاع غزة بشكل جزئي، بعد شهور طويلة من الحرب التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية الصحية وأخرجت عدداً كبيراً من المرافق عن الخدمة.
فيما يعيش العالم على وقع تفشي فيروس هانتا على متن سفن سياحية، وبعدما وُجهت أصابع الاتهام للقوارض الذي ينتقل منها الفيروس إلى البشر، بدأ سكان غزة يعبرون عن مخاوفهم من احتمال ظهور فيروس هانتا في القطاع الرازح تحت وطأة انتشار القوارض التي غزت مخيمات النزوح مع ما يعنيه هذا من تداعيات قد تمتد إلى مناطق الجوار.
مخاوف من أمراض مرتبطة بالقوارض
مع اتساع انتشار القوارض داخل مخيمات النزوح في القطاع يحذر أطباء وخبراء صحيون من مخاطر تفشي أمراض مرتبطة بالبيئة الملوثة والمكتظة.
ومردّ هذه المخاوف أن منظمة الصحة العالمية أعلنت في مطلع مايو 2026، رصد تفشٍّ نادر لفيروس "هانتا" على متن سفينة سياحية، أسفر عن وفيات وإصابات حرجة.
وينتقل الفيروس عبر التلامس مع القوارض أو استنشاق هواء ملوّث بفضلاتها وبولها، وتقول المنظمة الأممية إن الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية والموبوءة بالقوارض تُعدّ من أبرز عوامل الخطر للإصابة.
ورغم عدم تسجيل إصابات مؤكدة بالفيروس في قطاع غزة، يرى أطباء أن الظروف البيئية الحالية، بما فيها انتشار الجرذان وتسرّب مياه الصرف الصحي والاكتظاظ داخل الخيام، ترفع من احتمالات ظهور أمراض معدية مرتبطة بالقوارض والحشرات إذا استمرت الأزمة الصحية والبيئية دون تدخل عاجل.
ويرى أطباء في غزة أن استمرار تدهور الظروف البيئية والصحية قد يقود إلى موجات أوسع من الأمراض المعدية، خصوصاً مع انتشار سوء التغذية بين الأطفال والنساء.
في هذا الصدد، يقول الدكتور خليل الدقران، الناطق باسم مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، إن أكثر من 80% من سكان القطاع يعيشون حالياً في خيام أو مراكز إيواء تفتقر إلى الحد الأدنى من المقومات الصحية، مضيفاً أن انتشار مياه الصرف الصحي والنفايات “حوّل القطاع إلى بيئة خصبة لانتشار الأوبئة”.
منظومة صحية تعمل عند الحد الأدنى
وتتزايد المخاوف الصحية في قطاع غزة مع استمرار تدهور الأوضاع المعيشية وتراجع قدرة القطاع الصحي على التعامل مع الأمراض المعدية، في وقت تحذر فيه منظمات دولية من مخاطر انتشار الأوبئة بين مئات آلاف النازحين الذين يعيشون في خيام تفتقر إلى المياه النظيفة وشبكات الصرف الصحي والرعاية الطبية الأساسية.
فوفق منظمة الصحة العالمية، يعمل أقل من نصف مستشفيات قطاع غزة بشكل جزئي، بعد شهور طويلة من الحرب التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية الصحية وأخرجت عدداً كبيراً من المرافق عن الخدمة.
ويرى الدكتور خليل الدقران، أن الأزمة الصحية "تتفاقم بشكل مستمر" نتيجة النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.
وتبرّر إسرائيل القيود المفروضة على دخول بعض المواد إلى قطاع غزة بأنها ذات علاقة باعتبارات أمنية، فيما تؤكد منظمات أممية أن استمرار النقص في الإمدادات الطبية والوقود يفاقم المخاطر الصحية على السكان المدنيين.
ويضيف الدقران قائلا إن إسرائيل "لم تلتزم بإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية بشكل كافٍ، وخلال الحرب جرى تدمير معظم الأجهزة الطبية والمختبرات وأجهزة الأشعة والرنين المغناطيسي".
وبحسب الناطق باسم مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، فقد وصل العجز في الأدوية الأساسية إلى نحو 47%، فيما بلغ النقص في المستلزمات الطبية 59%، بينما أصبحت أكثر من نصف محاليل المختبرات الضرورية لتحاليل الدم “صفرية".
وكانت منظمة الصحة العالمية قد وثقت مئات الهجمات على القطاع الصحي في غزة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، ما أدى إلى مقتل مئات المرضى والعاملين الصحيين وتدمير أجزاء واسعة من البنية الطبية.
بيئة معيشية تدفع نحو انتشار الأمراض
في مناطق النزوح، لا تبدو المشكلة مقتصرة على نقص العلاج، بل تمتد إلى الظروف البيئية التي باتت تسرّع انتشار الأمراض بين السكان.
ففي خيمة مكتظة لا تتجاوز بضعة أمتار داخل أحد مراكز النزوح وسط القطاع، تحاول سهيلة غبن، النازحة من جباليا شمال قطاع غزة، حماية أطفالها من الأمراض التي باتت تحاصر العائلات في أماكن الإيواء. تقول وهي تشير إلى الفرشات المتلاصقة داخل الخيمة: "زمان كنا نغسل الطفل وننيمه على فرشة نظيفة، اليوم نفس الفرشة بينام عليها أكثر من شخص، وإذا واحد مريض يعدي اللي جنبه".
تتوقف قليلاً قبل أن تضيف: "يقولوا اعزلوا الطفل المريض، كيف نعزله والخيمة فيها بين عشرة إلى خمسة عشر شخصاً؟”.
أما سهاد مرعي، النازحة من شرق غزة، فتقول إن الأمراض "لم تكن بهذا الشكل قبل الحرب"، مضيفة أن طفح مياه الصرف الصحي وانتشار القوارض والحشرات وغياب الحمامات خلق واقعاً صحياً قاسياً داخل المخيمات.
وتوضح: "الناس أحياناً تضطر لقضاء حاجتها في أكياس أو دلاء بسبب عدم وجود حمامات، والروائح لا تُحتمل. أمس عندما وصلت إلى المكان شعرت بغثيان وصداع شديد من شدة الروائح".
وتطالب مرعي بتوفير حمامات وأدوية وتطعيمات للأطفال، مشيرة إلى أن "الأطفال هم الأكثر ضعفاً أمام هذه الظروف".
وتعكس بيانات منظمة الصحة العالمية حجم التدهور الصحي المتسارع في القطاع. فحتى نهاية مارس 2024، جرى رصد أكثر من 586 ألف حالة التهاب تنفسي حاد، إلى جانب 81 ألف حالة جرب وقمل، ونحو 46 ألف حالة طفح جلدي، إضافة إلى آلاف الإصابات باليرقان والأمراض المرتبطة بتلوث المياه وسوء ظروف النزوح.
ظهور الأمراض الجلدية والتنفسية
وبحلول يونيو 2024، كانت الأمراض الجلدية المسجلة قد تجاوزت 103 آلاف حالة، فيما أفادت المنظمة لاحقاً بأن التهابات الجهاز التنفسي الحادة شكّلت 62% من إجمالي الأمراض المرصودة خلال بعض فترات عام 2025، بينما مثّل الإسهال الحاد أكثر من ثلث الحالات المرضية المسجلة.
وفي وقت تتزايد فيه أعداد المرضى، تقول تقارير صحية إن نسبة العجز في الأدوية الأساسية تجاوزت 50%، فيما تخطى النقص في المستهلكات الطبية ثلثي الاحتياجات داخل القطاع.
كما حذرت منظمات إنسانية من أن تراكم النفايات وتسرب مياه الصرف الصحي يرفعان احتمالات انتشار الأمراض المرتبطة بالقوارض والحشرات، خاصة داخل مناطق الإيواء المكتظة.
لمواجهة هذه المعضلة، يدعو الدكتور الدقران المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، إلى الضغط من أجل إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية ومولدات الكهرباء اللازمة لتشغيل محطات الصرف الصحي، إلى جانب المساعدة في إزالة النفايات المتراكمة وتوفير مساكن مؤقتة للنازحين.
ومع استمرار الاكتظاظ داخل الخيام وتراجع الخدمات الأساسية، يحذر العاملون الصحيون في غزة من أن القطاع يقترب من مرحلة تصبح فيها السيطرة على الأمراض أكثر صعوبة، في ظل نقص الأدوية وتدهور شبكات المياه والصرف الصحي.
ويختصر الدقران المخاوف المتصاعدة بقوله: "نحن لا نتحدث عن مرض واحد، بل عن بيئة كاملة قد تؤدي إلى انتشار أوبئة إذا استمر الوضع على ما هو عليه".