أعلنت النيابة العامة نجاحها في القبض على كافة المشاركين في الجريمة، بما في ذلك الجراحون وطاقم التخدير والأطباء المسؤولون، الذين اعترفوا جميعاً بفعلتهم.
كشفت وزارة العدل السورية، مساء الأربعاء، تفاصيل جريمة وصفتها بـ"البشعة"، ارتكبها أطباء ضباط خلال عهد النظام المخلوع داخل مستشفى تشرين العسكري، تضمنت انتزاع كبد معتقل كان بصحة جيدة وزرعه لجسد مريض من مقربي السلطة.
وجاءت هذه الإفصاحات عقب تحقيقات موسعة اعتمدت على اعترافات موثقة للمتهمين، الذين مثلوا مسرح الجريمة بتفاصيلها الدقيقة داخل أروقة المستشفى ذاته، مؤكدين أن العملية نفذت بناءً على أوامر مباشرة من قيادات عليا في النظام المخلوع.
وفي فيديو مصور نشرته الوزارة، أقر الطبيب العميد اليقظان أحمد حسن، المسؤول المباشر عن العملية، بأنه كلف بالتعاون مع الدكتور تيسير صالح وطبيب التخدير علي علي، بتنفيذ زراعة كبد لمريض يخص اللواء عمار سليمان، مدير إدارة الخدمات الطبية آنذاك.
وقال حسن في اعترافه: "بعد عملية سرقة كبد المعتقل توفي على الفور، واستمرت العملية ست ساعات، كما توفي المريض المتلقي للكبد بعد أسبوع واحد تقريباً".
وقد قام المتهمون بإعادة تمثيل الواقعة كاملة أمام المحققين، بدءاً من لحظة دخول المعتقل الغرفة وصولاً إلى انتزاع العضو وزرعه.
من جانبه، أكد الطبيب العقيد أحمد محمود الخطيب، رئيس قسم العناية المشددة، أن الضحية كان معتقلاً لدى الفرع 215 التابع للمخابرات العسكرية، مشيراً إلى أن حالته الصحية كانت مستقرة وعلاماته الحيوية طبيعية قبل العملية، مما ينفي أي مبرر طبي لاستئصال عضوه.
تورط القيادة العليا وسلسلة الأوامر
ولم تقتصر الاتهامات على الطاقم الطبي فحسب، بل امتدت لتشمل قمة الهرم الأمني والعسكري في النظام السابق. فقد صرح الطبيب العميد إبراهيم عباس يزبك، أحد المتهمين، بأن اللواء عمار سليمان كان يتلقى أوامره من شخصين فقط هما الرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد.
وأكد النائب العام للجمهورية العربية السورية حسان التربة، في تصريحات لقناة "الإخبارية" السورية، أن جريمة انتزاع الكبد تدخل فيها شخصياً بشار الأسد وشقيقه ماهر. وأوضح التربة أن المعلومات حول هوية المعتقل الضحية (التي لا تزال مجهولة حتى الآن) وصلت عبر شهادات أفراد عملوا في المستشفى ثم انشقوا عنه، مؤكداً أن المعتقل كان "سليم الجسد وبكامل صحته".
ووصف النائب العام السوري مستشفى تشرين العسكري بأنه لم يكن مجرد منشأة علاجية، بل تحول إلى "فرع من أفرع المخابرات" يسيطر عليه كبار الضباط، حيث كان العاملون فيه طوع أوامر السلطة التنفيذية دون رقابة.
وتتقاطع هذه الرواية الرسمية مع تقارير سابقة لمنظمات حقوقية دولية ومحلية، مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان ومركز توثيق الانتهاكات، التي وثقت حالات مشابهة لاستئصال أعضاء من معتقلين ونقلهم إلى المستشفيات العسكرية جثامين.
وقائع الجريمة وتفاصيل الوفاة
ووفقاً للتفاصيل التي أوردها النائب العام حسان التربة الخميس، تعود وقائع الجريمة إلى عام 2019، عندما نُقل السجين من الفرع 215 إلى المستشفى. جرى استئصال كبده قسراً لصالح مريض آخر، نجل ضابط رفيع المستوى من المقربين من عائلة الأسد، كان يعاني من فشل كبدي.
وكشف التربة عن تفاصيل مروعة لما حدث بعد العملية، حيث تُرك المعتقل لينزف حتى الموت دون تخييط جراحه، بينما باءت محاولة إنقاذ حياة الضابط المتلقي بالفشل، ليتوفى هو الآخر بعد أسبوع من الزرع.
الملاحقة القضائية والعدالة الانتقالية
وأعلنت النيابة العامة نجاحها في القبض على كافة المشاركين في الجريمة، بما في ذلك الجراحون وطاقم التخدير والأطباء المسؤولون، الذين اعترفوا جميعاً بفعلتهم.
وشدد النائب العام على تحريك دعوى الحق العام بحق المتهمين بجرم "القتل العمد" وفقاً للمادة 535 من قانون العقوبات، بالإضافة إلى تهمة التعذيب.
ومن المقرر أن تنتقل القضية قريباً إلى قاضي الإحالة ثم إلى محكمة الجنايات، ضمن مسار العدالة الانتقالية الرامي إلى محاكمة رموز النظام المخلوع ومرتكبي الانتهاكات ضد الشعب السوري.
وقد أثارت هذه التفاصيل الرسمية موجة صدمة عارمة في الشارع السوري، حيث انهالت التعليقات المستنكرة لوصول الإجرام إلى قدسية الغرف البيضاء في المستشفيات، مؤكدين أن هذه الاعترافات تأتي لتؤكد ما عانته العائلات السورية من مآسٍ مروعة خلف جدران الاعتقال والمرافق الطبية العسكرية طوال سنوات الحرب.