تشير الصحيفة إلى أن تداعيات العملية تجاوزت بكثير حدود المغامرة الاستخباراتية. الوثائق التي كُشف عن نتائجها في ربيع 2018 شكلت حافزاً مباشراً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الأولى للانسحاب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015.
أزاح يوسي كوهين، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد"، الستار عن سر ظل دفيناً لسنوات، كاشفاً أن القارة الأفريقية احتضنت البروفة النهائية والحاسمة لعملية اقتحام الأرشيف النووي الإيراني السري.
تفصيل صغير بدا لوهلة أنه مجرد لوجستية ميدانية، لكنه كان العمود الفقري لمهمة استخباراتية قلبت موازين الشرق الأوسط.
نقلت صحيفة "جيروزاليم بوست" عن كوهين قوله، في أول إفصاح من نوعه، إن أفريقيا كانت المسرح الجغرافي الذي أجرى فيه عناصر الموساد تدريباً شاملاً قبل تنفيذ الاقتحام التاريخي في يناير كانون الثاني 2018.
وخلال تلك المهمة، أمضى عشرات الجواسيس 6 ساعات و29 دقيقة داخل منشأة تخضع لحراسة مشددة في قلب طهران دون إطلاق أي إنذار، وتمكنوا من الاستيلاء على رفوف كاملة من الوثائق النووية الأصلية والخروج بسلام.
وتؤكد الصحيفة العبرية، أن تفاصيل العملية تسربت بغالبيتها العظمى في كتاب "استهداف طهران" الصادر عام 2023، وأضاف كوهين بنفسه إضاءات جديدة في مذكراته "سيف الحرية" عام 2025.
غير أن أكثر التفاصيل سرية وحساسية بقي محجوباً بدواعٍ أمنية ودبلوماسية، وهو الموقع الدقيق للبروفة النهائية التي تضمنت بناء نموذج كامل للمنشأة المستهدفة بمحتوياتها من خزائن فولاذية ضخمة اخترقها العملاء بقواطع لهب تصل حرارتها إلى 3600 درجة.
كيف غيّرت الوثائق المسروقة مجرى التاريخ
تشير الصحيفة إلى أن تداعيات العملية تجاوزت بكثير حدود المغامرة الاستخباراتية. الوثائق التي كُشف عن نتائجها في ربيع 2018 شكلت حافزاً مباشراً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الأولى للانسحاب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015.
وتعاقب الأحداث قاد، وفقاً لمعظم المراقبين، إلى انهيار أي فرصة لاتفاق جديد في ذلك الحين، ثم إلى اندلاع حربين مع إيران في يونيو حزيران 2025 ومطلع 2026، قبل أن تفضي العمليات العسكرية في النهاية إلى الاتفاق الجديد الذي وقعه ترامب في ولايته الثانية مع طهران بتاريخ 17 يونيو حزيران الجاري.
السر وراء اختيار أفريقيا
وتشرح "جيروزاليم بوست" نقلاً عن كوهين مبررات إجراء البروفة خارج إسرائيل. إعادة بناء نموذج بالحجم الطبيعي لموقع بهذه الحساسية القصوى داخل الدولة العبرية كان سيستدعي فضولاً غير مرغوب فيه وأنظاراً قد تطيح بسرية المهمة بأكملها. ولذلك، اتجهت الأنظار نحو القارة الأفريقية التي وفرت الغطاء المثالي للتدريب الحيوي.
ويلفت تقرير الصحيفة الانتباه إلى مصادفة زمنية مثيرة للاهتمام دون الجزم بصحتها. انضمام المغرب إلى "الاتفاقيات الإبراهيمية" تم خلال فترة رئاسة كوهين للموساد.
ومن المحتمل أن يكون هناك تداخل زمني بين البروفة النهائية والمفاوضات السرية حول التطبيع، لكن الصحيفة تشدد على أنها لا تملك دليلاً ملموساً يؤكد أن المغرب كان البلد الأفريقي الذي احتضن البروفة.
وتستدرك الصحيفة بأن العلاقات الهادئة لإسرائيل تمتد مع دول كثيرة بعيداً عن الأضواء، كما أن للمغرب علاقات عسكرية وثيقة ومعلنة مع إسرائيل، تجلت مؤخراً في مناورات عسكرية مشتركة وإيفاد ضباط مغاربة إلى الدولة اليهودية مطلع هذا الأسبوع للعمل على تطويرات تتعلق بقوة استقرار دولية في غزة.
لم تكشف الصحيفة عن السبب الدقيق الذي دفع كوهين للبوح بهذا السر الأمني في هذا التوقيت تحديداً، لكنها ترجح أن جزءاً من التغيير قد يعود إلى الضربات الموجعة التي تلقتها الأجهزة الأمنية والإرهابية الإيرانية خلال الحرب الأخيرة، مما خفف من حساسية الكشف عن تفاصيل العمليات القديمة.