أكد محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني والقائد العسكري السابق في الحرس الثوري على هذا التوجه، حين وصف المضيق بأنه "أعظم أدوات قوتنا"، مؤكداً أن إيران "لن تتخلى تحت أي ظرف عن حقوقها" فيه.
أرادت إيران أن تحوّل مراسم تأبين المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي إلى رسالة لواشنطن وتل أبيب، مفادها أن محاولاتهما لإسقاط النظام باءت بالفشل، وفق ما نقلته "رويترز".
فبدلاً من أن تظهر طهران بشكل ضعيف بعد الحرب التي اندلعت في 28 فبراير، سعت إلى تقديم نفسها ككيان متماسك متحدٍ، قادر على رسم ملامح المرحلة المقبلة. وقد بدا ذلك واضحًا بالنظر إلى الزحف البشري المهيب، الذي أحاط بجنازة المرشد، متشحًا بالسواد، ورافعًا رايات الـ"انتقام".
وهذا التماسك، بحسب ما قاله مسؤولون ودبلوماسيون للوكالة، لم يعد مجرد موقف سياسي، بل تحول إلى ورقة تفاوضية جوهرية. إذ باتت الحرب دليلاً ملموساً على النفوذ الإيراني في مضيق هرمز، ما دفع طهران إلى اشتراط أن أي اتفاق نووي مستقبلي يجب أن يبدأ بالاعتراف بسيطرتها على هذا الممر الحيوي كأمر واقع لا رجعة فيه.
في المقابل، كانت واشنطن تأمل من خلال الهدنة التي استمرت 60 يوماً أن تعيد إحياء المسار الدبلوماسي لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، لكن الهدنة فتحت الباب أمام صراع مختلف تماماً. إذ ترى "رويترز" أن إيران في هذه المواجهة الجديدة، تعتقد أن موقعها الجغرافي، لا تخصيب اليورانيوم، هو أداة القوة الأكثر فاعلية، وتسعى إلى ترجمة مكاسبها العسكرية إلى ميزة استراتيجية دائمة عبر فرض اعتراف دولي بهيمنتها على المضيق.
وفي هذا السياق، تحاول طهران فرض إيقاعها على المفاوضات. ومع أن فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق قد يدر عائدات مالية ضخمة، إلا أن أليكس فاتانكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن والمتخصص في الأمن الإقليمي، يرى أن "الجانب الرمزي أهم للإيرانيين من الجانب المالي... يريدون اعترافاً رمزياً بأن المضيق ممر إيراني، وأن إيران هي القوة السيادية عليه"، مضيفاً مستشهداً بمثل فارسي: "لماذا نستبدل الجوهرة بالمصاصة؟".
وقد أكد محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني والقائد العسكري السابق في الحرس الثوري على هذا التوجه، حين وصف المضيق بأنه "أعظم أدوات قوتنا"، مؤكداً أن إيران "لن تتخلى تحت أي ظرف عن حقوقها" فيه.
وبحسب التقرير، تتعمد الجمهورية الإسلامية إبطاء المفاوضات بهدف تثبيت ما تعتبره مكاسب الحرب، كما يوضح آلان آير، الدبلوماسي الأميركي السابق والمتخصص في الشأن الإيراني، الذي يقول إن "إيران لا تمانع إطلاقاً في كسب الوقت وإطالة أمد المفاوضات. إنها تريد السيطرة على هرمز، وتجري المحادثات بهدف إضفاء طابع مؤسسي على هذه السيطرة".
ويضيف آير أن الرئيس دونالد ترامب، المقيد بانتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر، يواجه ضغوطاً أكبر لإبرام اتفاق مما تواجهه إيران لتقديم تنازلات، مستنتجاً: "الإيرانيون يعلمون أن ترامب يريد الخروج من هذا الملف، ويعرفون أن الزمن يعمل لصالحهم".
من جهته، يرى آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق في شؤون الشرق الأوسط، أن الحملة العسكرية الأميركية لم تنجح في كسر أوراق القوة الإيرانية، وأن طهران لن تدخل في مفاوضات نووية جدية إلا بعد أن تتيقن من قبول المجتمع الدولي بالواقع الجديد في مضيق هرمز، وتحقيق تقدم ملموس في الإفراج عن أصولها المجمدة.
ويقول ميلر: "مهلة الستين يوماً كانت دائماً مجرد وهم. الإيرانيون لن ينتقلوا إلى الملف النووي حتى يقتنعوا بأنهم رسخوا هذا الوضع الجديد"، مؤكداً أن إيران "لن تتخلى عنه" لأن القوة العسكرية الأميركية لم تغير موقعها الاستراتيجي في المضيق.
أما ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات والخبيرة في الشؤون الإقليمية، فترى أن وقف الحرب دون معالجة جذورها قد ساعد في تحويل مضيق هرمز من مجرد نقطة ضغط إلى مصدر دائم للنفوذ الإيراني، محذرة من أن الخليجيين يخشون أن تكون الحرب قد أثبتت قدرة طهران على التأثير في مجريات الأمور، وهو ما منحها ميزة لن تتنازل عنها. وتختصر الكتبي الموقف قائلة: "هم الآن يلوون ذراع الأميركيين والجميع. والآن بعد أن وجدوا كنز هرمز، فلن يفرطوا فيه".
ويرجح محللون أن تجد واشنطن نفسها مضطرة في النهاية إلى القبول بإعادة فتح المضيق وفق شروط تمليها طهران إلى حد كبير. ويختتم آير تحليله قائلاً: "لن يحقق أحد انتصاراً كاملاً، لكن إيران ستخسر أقل مما ستخسره الولايات المتحدة".