ذكرت الصحيفة أن هذه المخاوف تفسر سبب عدم نشر أي تسجيلات صوتية لخامنئي حتى الآن، مشيرة إلى وجود عدة وسائل تقنية يمكن من خلالها استنتاج موقعه وحالته الصحية من خلال الصوت فقط.
تخشى السلطات الإيرانية أن تتمكن أجهزة الاستخبارات من تحديد مكان وجود المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، من خلال تحليل التسجيلات الصوتية المنسوبة إليه، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة المشهري الإيرانية التابعة لبلدية طهران.
وذكرت الصحيفة، في منشور عبر قناتها على تطبيق "تلغرام"، أن هذه المخاوف تفسر سبب عدم نشر أي تسجيلات صوتية لخامنئي حتى الآن، مشيرة إلى وجود عدة وسائل تقنية يمكن من خلالها استنتاج موقعه وحالته الصحية من خلال الصوت فقط.
وأوضحت الصحيفة أن أول هذه الوسائل يتمثل في أن لكل مكان مغلق "بصمة صوتية" أو خصائص صوتية فريدة، يمكن من خلالها تحديد طبيعة الغرفة أو المكان الذي جرى فيه التسجيل بدقة.
وأضافت أن التشويش الصادر عن شبكة الكهرباء قد يسمح أيضاً بتحديد تاريخ ووقت التسجيل بدقة، بل وحتى معرفة الجزء المحدد من شبكة الكهرباء الذي كان موقع التسجيل متصلاً به.
كما أشارت إلى أن كل ميكروفون أو جهاز تسجيل يترك بصمة تقنية مميزة داخل الملف الصوتي، فميكروفونات الهواتف المحمولة، على سبيل المثال، تضعف الترددات المنخفضة، في حين تنتج المكونات الإلكترونية منخفضة الجودة تشوهات توافقية مميزة يمكن استخدامها للتعرف على الجهاز الذي أُجري به التسجيل.
ولفتت الصحيفة إلى أن الضوضاء الصادرة عن أنظمة التهوية أو المولدات الكهربائية أو أجهزة التبريد أو أي معدات تقنية أخرى موجودة في موقع التسجيل قد تساعد أيضاً أجهزة الاستخبارات في تحديد المكان.
وفي المقابل، اعتبرت الصحيفة أن تحليل صوت المتحدث نفسه قد يكشف معلومات إضافية، مثل نمط التنفس، وفترات التوقف بين الكلمات، والحالة الجسدية، ومعدل ضربات القلب، ومستوى التوتر، وهي مؤشرات قد توفر معلومات استخباراتية عن حالته الصحية وظروف وجوده.
غياب منذ تولي المنصب
ومنذ توليه منصب المرشد الأعلى إثر اغتيال والده، لم يظهر مجتبى خامنئي في أي بث مباشر أو كلمة متلفزة أو صورة رسمية مؤكدة، إذ اقتصرت جميع مواقفه وتوجيهاته حتى الآن على بيانات مكتوبة تُنشر عبر وسائل الإعلام الرسمية والحسابات الحكومية، من دون أي إطلالة علنية مباشرة.
ويُرجع المسؤولون الإيرانيون هذا الغياب إلى اعتبارات أمنية مرتبطة بالظروف العسكرية والاستثنائية التي تمر بها البلاد، مؤكدين أن الإجراءات المشددة تهدف إلى حمايته من أي استهداف محتمل. ووفق الرواية الرسمية، فإن عدم ظهوره لا يرتبط بأي عجز عن ممارسة مهامه، بل يأتي نتيجة ضرورات أمنية فرضتها التطورات الأخيرة.
كما ارتبط اختفاء مجتبى خامنئي عن المشهد العلني بتقارير تحدثت عن إصابته خلال الضربات الجوية التي استهدفت مجمعاً مرتبطاً بقيادات إيرانية في أواخر فبراير 2026، وهي الضربات التي أدت إلى مقتل والده، المرشد السابق علي خامنئي، وعدد من أفراد عائلته.
وتؤكد الرواية الإيرانية أنه تعرض لإصابات طفيفة وتعافى منها ويواصل أداء مسؤولياته، في حين أشارت تقارير غربية ومصادر استخباراتية إلى احتمال أن تكون إصاباته أكثر تعقيداً وأنه يحتاج إلى فترة علاج وراحة.
ويضاف إلى ذلك أن مجتبى خامنئي كان يُعرف قبل وصوله إلى منصب المرشد بأنه شخصية تعمل بعيداً عن الأضواء، حيث لعب لسنوات دوراً داخل دوائر صنع القرار، ولا سيما في أوساط مكتب المرشد والحرس الثوري، من دون أن يكون من الشخصيات المعتادة على الظهور الإعلامي أو الخطابات العلنية.
وقد أثار غيابه المتواصل موجة من التساؤلات حول مكان وجوده وحالته الصحية، خصوصاً مع تداول صور ومقاطع على منصات التواصل الاجتماعي ادعت أنها تُظهر أول لقاء علني له مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
غير أن عمليات تحقق صحفية خلصت إلى أن عدداً من هذه الصور كانت مفبركة أو مولدة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما زاد من الغموض المحيط بإطلالاته العلنية الأولى.
"رجل الظل"
وحتى قبل الحرب، كان مجتبى خامنئي يُعرف أصلاً قبل ذلك بأنه شخصية تعمل بعيداً عن الأضواء، ولم يكن يظهر بشكل منتظم في وسائل الإعلام أو أمام الجمهور حتى في الظروف العادية.
فعلى مدى عقود، حافظ مجتبى خامنئي على صورة "رجل الظل" داخل هرم السلطة الإيرانية، إذ لم يسبق له إجراء مقابلات صحفية أو تلفزيونية، كما لم يُعرف عنه إلقاء خطابات جماهيرية أو الظهور في المناسبات العامة بصورة متكررة.
وكانت إطلالاته النادرة تقتصر غالباً على مشاهد قصيرة أو صور خلال مناسبات دينية ورسمية، حيث كان يظهر بين الحضور، أحياناً في الصفوف الخلفية أو الجانبية، خلال مراسم مرتبطة بوالده المرشد السابق علي خامنئي أو في مناسبات وطنية، مثل تشييع قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني.
أما التسجيلات القليلة المرتبطة به التي ظهرت خلال السنوات الماضية، فلم تكن تصريحات سياسية أو إعلامية، بل كانت في الغالب مرتبطة بدروسه الدينية في حوزة قم، حيث كان يقدم دروس "بحث الخارج" في الفقه، وهي دروس متقدمة في الدراسات الدينية، قبل أن تُعلن لاحقاً أنشطته التعليمية.
ويرتبط هذا النهج في عدم الظهور بطبيعة الدور الذي لعبه مجتبى خامنئي داخل منظومة الحكم الإيراني. فقد ارتبط اسمه لسنوات طويلة بدوائر النفوذ داخل "بيت المرشد"، حيث قيل إنه كان يؤدي دوراً مهماً في إدارة قنوات التواصل بين مكتب المرشد والحرس الثوري وقوات الباسيج، وهي أدوار تعتمد بطبيعتها على العمل خلف الكواليس أكثر من الظهور العلني.
كما أن بقاءه بعيداً عن الإعلام ارتبط بحساسية ملف خلافة والده. فإمكانية وصوله إلى منصب المرشد كانت موضوعاً مثيراً للجدل داخل إيران، خصوصاً أن النظام نفسه تأسس بعد الثورة على رفض نموذج الحكم الملكي الوراثي، ما جعل أي مؤشرات على انتقال السلطة داخل العائلة تواجه انتقادات داخلية. لذلك، ساهم إبقاؤه بعيداً عن المشهد الإعلامي في تقليل الجدل حول دوره السياسي ومستقبله داخل النظام.
إضافة إلى ذلك، لم يشغل مجتبى خامنئي قبل توليه منصب المرشد أي منصب حكومي أو تنفيذي معلن يفرض عليه الظهور اليومي، الأمر الذي سمح له بالحفاظ على حضور محدود ومغلق.