تأتي هذه التحذيرات في ظل استمرار السياسة التجارية التي تتبعها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025، بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، ولا سيما في الشرق الأوسط.
حذّرت منظمة التجارة العالمية، الثلاثاء، من أن النظام التجاري العالمي يواجه مرحلة بالغة الحساسية، داعية إلى تجنب العودة إلى سياسات تجارية أحادية الجانب، لما قد تترتب عليها من خسائر اقتصادية واسعة.
وقالت المنظمة في تقريرها السنوي إن التجارة العالمية والمنظمة نفسها تواجهان واحدة من أخطر فترات الاضطراب والاستمرار في الأزمات منذ تأسيس النظام التجاري متعدد الأطراف قبل ثمانية عقود، في وقت لم تُسجّل فيه مؤشرات على تحسن الوضع منذ بداية العام.
وتأتي هذه التحذيرات في ظل استمرار السياسة التجارية التي تنتهجها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025، بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، ولا سيما في الشرق الأوسط.
وقالت المديرة العامة للمنظمة، نغوزي أوكونجو إيويالا، في مقدمة التقرير إن القواعد المنظمة للتجارة تواجه تشكيكًا غير مسبوق منذ إنشاء المؤسسات متعددة الأطراف عقب الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية، والتي أُسندت إليها مهمة دعم تجارة عالمية مفتوحة ومستقرة وقابلة للتنبؤ.
أربعة عوامل تضغط على التجارة العالمية
حددت منظمة التجارة العالمية أربعة عوامل رئيسية تعقّد التعاون بين أعضائها، تتمثل في تغير توزيع القوة الاقتصادية عالميًا، وتزايد اختلاف مستويات وأشكال تدخل الحكومات في الأسواق، والتحولات التي تشهدها التجارة وسلاسل القيمة العالمية بفعل الرقمنة والسياسات البيئية، إضافة إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية.
وحذرت المنظمة من التداعيات المحتملة لتراجع التعاون التجاري متعدد الأطراف، استنادًا إلى محاكاة أجراها خبراؤها للآفاق حتى عام 2050.
وفي سيناريو يتسم بتجزؤ جيوسياسي ينقسم فيه النظام التجاري متعدد الأطراف إلى تكتلات مرتبطة بتحالفات سياسية، قد ينخفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 5.1% والصادرات العالمية بنسبة 18.6%.
أما في حال استُبدل التعاون متعدد الأطراف بشبكة من اتفاقيات التجارة الحرة وتوقفت منظمة التجارة العالمية عن العمل بشكل كامل، فقد يتراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 6.9% والصادرات بنسبة 26.9%.
وفي المقابل، قد يقود تعزيز التعاون التجاري متعدد الأطراف إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.9% والصادرات بنسبة 17.9%.
وأكدت المنظمة أن تداعيات تراجع التجارة متعددة الأطراف لن تكون متساوية بين الاقتصادات، مشيرة إلى أن الدول الأصغر والأقل دخلًا ستكون الأكثر عرضة للتأثر.
الذكاء الاصطناعي يدعم حركة التجارة
ورغم هذه الضغوط، لا تزال منظمة التجارة العالمية تمثل، وفق تقريرها، "الركيزة الأساسية في نظام التجارة العالمي القائم على القواعد". وتشير بياناتها إلى أن نحو 72% من تجارة السلع العالمية تتم عبر الحدود بموجب اتفاقيات جمركية تفاوضت عليها الدول الأعضاء والتزمت بها.
وقال كبير الاقتصاديين في المنظمة، روبرت ستايغر، لوكالة فرانس برس إن النسبة كانت تبلغ نحو 80% قبل عامين، معتبرًا أن تراجعها يعكس الضغوط التي يواجهها النظام التجاري.
وأضاف أن التعريفات الجمركية الجديدة والقيود التجارية باتت تؤثر حاليًا على نحو 11% من الواردات العالمية، وهي أعلى نسبة تُسجل منذ أكثر من 15 عامًا.
وفي المقابل، ساهم توسع الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في دعم التجارة العالمية، إذ أدى الطلب على السلع الضرورية لتطوير هذه التكنولوجيا، مثل الخوادم والمعدات الصناعية وأجهزة الحاسوب، إلى توليد تدفقات تجارية كبيرة.
وقال ستايغر إن استمرار هذه الاستثمارات قد يكون أسهم جزئيًا في الحد من تراجع كان يمكن أن تشهده التجارة العالمية لولا طفرة الذكاء الاصطناعي.
وأشار في الوقت نفسه إلى أن تطوير الذكاء الاصطناعي لا يزال متركزًا في عدد محدود من الدول، ما قد يخفي اختلافات كبيرة في اتجاهات التجارة بين المناطق. وحذر من أن طفرة الاستثمارات في هذا المجال قد تنتهي، في وقت يُثار فيه احتمال حدوث ذلك داخل الأوساط الاقتصادية والتجارية، وبالتالي لا يمكن اعتبار استمرار نمو التجارة العالمية بمعدلات مستقرة دليلًا على تجاوز الضغوط التي يواجهها النظام التجاري.