رفعت إسرائيل مستوى تأهبها العسكري خشية تجدد الهجمات ضد الدروز في السويداء جنوبي سوريا، وفق تقارير عبرية، وسط اتهامات متبادلة مع دمشق، وقبل يومين من الانتخابات الإسرائيلية، فيما لا تزال المحافظة الدرزية تعاني من تداعيات أحداث العنف التي شهدتها العام الماضي.
نقل موقع "واللا" الإسرائيلي، الأحد، عن مصدر أمني قوله إن تل أبيب تشعر بالقلق إزاء معلومات تشير إلى استعداد عناصر تعمل لصالح السلطات السورية لاستئناف الهجمات ضد الدروز، ما دفع سلاح الجو الإسرائيلي إلى تكثيف نشاطه في المنطقة، في رسالة تحذيرية إلى دمشق من مغبة المساس بهم.
وأوضح المصدر أن الدولة العبرية تراقب التطورات في سوريا على مدار الساعة، وتعتزم مواصلة سياستها المعلنة لحماية الدروز من أي هجمات أو عمليات اختطاف محتملة، سواء نفذتها عناصر تابعة للسلطات السورية مباشرة، أو مجموعات بدوية تنسق مع أجهزتها الأمنية.
وبحسب تقارير سورية، كثف الطيران الإسرائيلي تحليقه في أجواء محافظتي درعا والسويداء، خصوصاً خلال الأسبوع الماضي، مستخدماً طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية وطائرات مسيّرة.
اتهامات متبادلة قبيل الانتخابات
في المقابل، نقل التقرير الإسرائيلي عن دمشق تأكيدها، في رسائل وجهتها إلى تل أبيب، أن تحركاتها في الجنوب السوري تهدف إلى بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، وليس استهداف المدنيين.
وتواجه هذه المساعي رفضاً من الفصائل الدرزية المنضوية تحت اسم "الحرس الوطني"، التي ترفض وضع قواتها تحت قيادة الجيش السوري، وهو موقف تعتبره دمشق تهديداً لوحدة أراضي البلاد.
وتتهم وسائل إعلام سورية إسرائيل بتقديم الأسلحة والذخائر والأموال والمعلومات الاستخباراتية إلى هذه الفصائل، بهدف تمكينها من مهاجمة العشائر البدوية أو المواقع العسكرية الحكومية، وسط تقارير عن إسقاط بعض الإمدادات جواً.
وقد رفضت الحكومة السورية، في 16 تشرين الأول/أكتوبر، ما وصفته بمحاولات تل أبيب استغلال الدروز في السويداء لأغراض دعائية وانتخابية، مؤكدة أنهم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري. كما اتهمت تل أبيب بالتدخل في شؤون البلاد الداخلية وتسليح مجموعات خارجة عن القانون بهدف زعزعة الاستقرار.
وأتى ذلك بعد يوم من إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، للمرة الأولى، عن اتصال هاتفي أجراه مع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع خلال أحداث السويداء، زاعماً أن المحادثة كانت قصيرة وحاسمة وأسهمت في وقف أعمال القتل.
وجاءت تصريحات نتنياهو بالتزامن مع تحذير وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من احتمال تجدد الهجمات ضد الدروز في حال خسارة نتنياهو الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري.
وزعم كاتس أن الشرع جهز مقاتلين من العشائر العربية، إلى جانب قوات الأمن الداخلي والجيش السوري، لاستئناف العمليات، مدعياً أنه ينتظر نتائج الانتخابات الإسرائيلية للتحرك، على أمل خسارة نتنياهو.
وفي سياق المخاوف من التصعيد، أشار المصدر الأمني الذي تحدث إلى "واللا" إلى أن بعض المجموعات البدوية تتحرك أحياناً بصورة مستقلة عن الأجهزة الأمنية السورية، فيما تشارك مجموعات أخرى، وفق روايته، في هجمات تستهدف التجمعات الدرزية وطرق الإمداد والبنية التحتية للمياه والكهرباء، على خلفية نزاعات تاريخية بشأن الأراضي.
أحداث السويداء.. جراح لم تندمل
تأتي هذه التحذيرات في ظل استمرار تداعيات المواجهات الدامية التي شهدتها السويداء في تموز/يوليو 2025، عندما اندلعت اشتباكات بين فصائل درزية مسلحة ومقاتلين من البدو، قبل أن تتسع مع تدخل القوات الحكومية السورية ومجموعات عشائرية إلى جانب البدو.
وأسفرت الأحداث عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى، وسط تفاوت في الحصيلة المعلنة. فقد وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل أكثر من ألفي شخص، بينهم 789 مدنياً درزياً، فيما أعلنت لجنة تحقيق شكلتها السلطات السورية تسجيل ما لا يقل عن 1760 قتيلاً.
ورافقت الاشتباكات اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين، وانتشرت مقاطع مصورة أظهرت إهانة رجال دين دروز والاعتداء عليهم، ما أثار غضباً واسعاً بين أبناء الطائفة في إسرائيل، ودفع المئات منهم إلى التجمع قرب الحدود السورية، حيث حاول بعضهم العبور لمساعدة أبناء طائفتهم، وسط تعزيزات عسكرية إسرائيلية في المنطقة.
وعلى وقع التصعيد، شنت إسرائيل غارات على مواقع في السويداء ودمشق، شملت مقر هيئة الأركان العامة ووزارة الدفاع وموقعاً قرب القصر الرئاسي، مبررة تدخلها بالسعي إلى حماية الدروز. في المقابل، اتهم الشرع تل أبيب بمحاولة زعزعة استقرار سوريا وتأجيج الانقسامات الداخلية.
وانتهت تلك المواجهات بانسحاب القوات الحكومية وحلفائها من مدينة السويداء وأجزاء من المحافظة، في ظل وقف هش لإطلاق النار، بينما ظلت الخلافات بشأن مستقبل المنطقة وترتيباتها الأمنية قائمة.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أقرت سوريا والأردن والولايات المتحدة، في أيلول/سبتمبر 2025، خريطة طريق مشتركة لتعزيز الاستقرار في الجنوب السوري، تضمنت إجراءات لإعادة بناء الثقة والمصالحة المجتمعية، والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، إلى جانب ضمان وصول المساعدات الإنسانية وإعادة الخدمات الأساسية.
وفي تموز/يوليو 2026، أعلنت دمشق بدء محاكمة متهمين بالتورط في أعمال العنف، في خطوة نحو معالجة تداعيات المواجهات التي ما زالت آثارها السياسية والأمنية حاضرة.
مفاوضات متعثرة بين الجانبين
تأتي التطورات الأخيرة في سياق توترات مستمرة بين سوريا وإسرائيل منذ الإطاحة بالرئيس السوري المخلوع بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، إذ نفذت الدولة العبرية مئات الغارات على الأراضي السورية، وأرسلت قوات إلى المنطقة العازلة الخاضعة لإشراف الأمم المتحدة في الجولان، إلى جانب توغلات متكررة في جنوب البلاد، معلنة نيتها الاحتفاظ بوجود عسكري في ما تسميه "المنطقة الأمنية".
ورغم إدانة دمشق هذه العمليات ومطالبتها بانسحاب القوات الإسرائيلية، انخرط البلدان في جولات من المحادثات بوساطة أمريكية، سعياً إلى التوصل لاتفاق أمني يخفف التوترات ويحدد الترتيبات الحدودية.
وكان الشرع قد أكد، خلال مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2025، تمسك سوريا بالجولان وباتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، مشيراً إلى أن تل أبيب نفذت نحو 500 غارة على بلاده منذ سقوط نظام الأسد.
غير أن المحادثات الأمنية تعثرت في أعقاب اندلاع الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى في شباط/فبراير 2026، في وقت تواصلت فيه التوترات الميدانية على طول الحدود.
وفي سياق التوترات الميدانية المستمرة، اتهمت دمشق القوات الإسرائيلية بإضرام النار في مستودع ومنزل خلال توغل في ريف درعا الغربي في 15 تشرين الأول/أكتوبر.