تعيد شركات الشحن العالمية رسم طرق التجارة مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، ما يعطل سلاسل الإمداد، ويرفع التكاليف، ويكشف هشاشة التجارة العالمية أمام الصراعات الجيوسياسية.
مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، تسارع شركات الشحن العالمية إلى إبقاء التجارة العالمية في حركة عبر إعادة رسم خرائط التجارة بفضل حلول التفافية باهظة التكلفة. وبالنسبة للعديد من القطاعات التي قامت على قابلية التنبؤ وحرية الملاحة، تحوّل الغموض الذي يخيّم على سلاسل الإمداد بسرعة إلى أخطر تهديد بحري يربك حركة التجارة في العالم. والأزمة الحالية أقل ما تكون صدمة عابرة، وأكثر ما تمثل مشكلة بنيوية فريدة لشركات الشحن بالحاويات مثل "ميرسك" و"ميديتيرانين شيبنغ كومباني" و"هاباغ-لويد".
تكلفة تغيير مسارات الشحن
على عكس الاضطرابات التي سببتها القرصنة في البحر الأحمر، حيث كان بإمكان السفن تغيير مسارها عبر رأس الرجاء الصالح، لا يتيح هرمز أي بدائل بحرية قابلة للتطبيق؛ فأي شحنة متجهة إلى اقتصادات الخليج لا بد أن تعبر هذا الممر الضيق، ما يجبر الناقلين على التكيف مع وضع متقلب من خلال حلول تشغيلية مؤقتة. وقالت مها رعد، خبيرة الشحن والشريكة في شركة "ستراتيجي& ميدل إيست" التابعة لـ"برايس ووترهاوس كوبرز": "هذا تطور طبيعي ومتوقع، وهو مستمر منذ اليوم الأول للاضطراب، لكنه يتجاوز مجرد تغيير المسارات؛ فهو يعكس إعادة تصميم أعمق لشبكات الملاحة البحرية حول اعتبارات الأمن والموثوقية والسيطرة الفعالة على الممرات". وتزداد أيضا مرونة الشركات على الصعيد التشغيلي؛ إذ قال كريستوفر لونغ، رئيس قسم المعلومات والامتثال في مجموعة "نيبتون بي تو بي": "تركز الشركات اليوم بدرجة أكبر بكثير على المعلومات الاستخبارية الفورية، وتقييمات المخاطر الديناميكية، والتنسيق الوثيق مع الأطر البحرية والأمنية الإقليمية".
وأعلنت شركات الشحن العالمية الأسبوع الماضي مزيدا من التدابير الاحتياطية؛ إذ أوضحت "ميرسك" أنها، وإن كانت تواصل تعليق معظم عبور سفنها عبر هرمز، تعيد توجيه الخدمات الرئيسية في الشرق الأوسط حول رأس الرجاء الصالح وتعتمد على مراكز شحن وسيطة مثل ميناء صلالة، بينما قدّمت "هاباغ-لويد" شبكات جديدة تعتمد على سفن تغذية تتجاوز النداءات المباشرة في الخليج العربي، وأطلقت "إم إس سي" خدمة جديدة بين أوروبا والبحر الأحمر والشرق الأوسط تستفيد من موانئ محورية مثل العقبة وميناء الملك عبد الله وجدة. ومن هذه الموانئ الرئيسية، تتولى سفن تغذية أصغر حجما، تُعرف بمرونتها النسبية في الاستجابة للتغييرات، تنفيذ الجزء الأخير من الرحلة إلى الموانئ الأخرى. وتوضح رعد أن "السؤال الأساسي لا يقتصر على أي ميناء بديل يمكنه استقبال البضائع، بل أي ممر متكامل من المنشأ إلى المقصد يمكنه العمل على نطاق واسع؛ وهذا يعني تشغيل السعة المناسبة من السفن وسفن التغذية، واختيار المسارات التي توازن بين السلامة والتكلفة ومدة العبور، وضمان توافر الطاقة الاستيعابية في الموانئ والساحات، وكذلك تنسيق حركة النقل الداخلي والجمارك والشاحنات والسكك الحديدية والتخزين". وعلى الرغم من أن هذه الحلول تضمن قدرا من استمرارية التجارة، فإنها بعيدة عن أن تكون استراتيجية طويلة الأمد؛ فـ"أزمنة العبور تطول، وتكاليف الوقود ترتفع، وأقساط التأمين تبقى عند مستويات مرتفعة، وتتزايد الضغوط على الموانئ وبنى الخدمات اللوجستية في باقي أجزاء سلسلة الإمداد"، كما يقول لونغ، الذي يرى أيضا أن التحدي الرئيسي يتمثل في الحفاظ على استمرارية العمليات مع ضمان سلامة السفن والطاقم والبضائع في الوقت نفسه.
الحفاظ على حرية الملاحة
لم تسفر المحاولات العسكرية لتثبيت الأوضاع في مضيق هرمز إلا عن نتائج محدودة؛ فمبادرة إدارة ترامب "Project Freedom"، التي أمنت مرافقة آمنة لعدد قليل من السفن عبر الممر، جرى تعليقها في ظل الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران. ويقول لونغ: "لا يمكن اتخاذ القرارات بناء فقط على الإعلانات الرسمية بالحرب أو السلام؛ فحتى عندما تُبذل جهود لخفض التوتر، تظل شركات الشحن مضطرة لأخذ احتمال التعرض لهجمات بطائرات مسيّرة، أو التدخل في حركة السفن، أو التشويش الإلكتروني، أو الألغام البحرية، أو أي حوادث غير متماثلة تستهدف حركة التجارة في الحسبان".
وتبرز أيضا تساؤلات محيرة: إذا كان المضيق لا يخضع لسيادة دولة بعينها، فلماذا لا تبذل المنظمات متعددة الأطراف جهودا أكبر؟ وبرأي لونغ، تصبح حرية الملاحة أكثر تعقيدا بكثير خلال فترات المواجهة الجيوسياسية النشطة؛ فالمنظمات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة "تعمل عموما عبر بناء التوافق والآليات الدبلوماسية أكثر من اعتمادها على التنفيذ العملياتي المباشر"، كما يوضح الضابط البحري البريطاني السابق، مضيفا: "في أوضاع تختلف فيها مواقف القوى الكبرى تجاه التصعيد أو التدخل أو الوجود العسكري، يصبح تحقيق عمل دولي منسق مهمة بالغة الصعوبة".
إعادة التفكير في المنافسة والمرونة
وتتزايد الأعباء المالية إلى جانب التكاليف والتحديات التشغيلية؛ فقد قفزت أقساط التأمين التي تغطي مخاطر الحرب للسفن العابرة لهرمز، ما يجعل المرور أقل جدوى من الناحية المالية ومن حيث الكلفة البشرية. ومع ذلك، يرى خبراء القطاع أن هذا الاضطراب قد يسرّع في نهاية المطاف تحولا طال انتظاره في سلاسل الإمداد العالمية. وتلخص رعد الموقف بقولها: "الجانب الإيجابي الوحيد هو أن هذا الاضطراب يعجّل انتقالا ضروريا من سلاسل إمداد هزيلة وخطية إلى شبكات أكثر مرونة وترابطا". وبالنسبة لدول الخليج، تعيد الأزمة رسم ملامح المنافسة وتجبر صناع القرار على إعادة النظر في استراتيجيات المرونة؛ فبدلا من التنافس عبر موانئ منفردة، تُدفع البلدان بشكل متزايد إلى تقديم نفسها كممرات لوجستية متكاملة تربط بين الموانئ والسكك الحديدية والطرق البرية والمناطق الصناعية. وتقول رعد: "لم يعد بإمكان التجارة العالمية الاعتماد على مسار واحد 'مثالي'؛ فقد تحولت الممرات الحيوية إلى أصول استراتيجية". ويضيف لونغ: "يتعلم القطاع اليوم أن المرونة يجب أن تُبنى في صلب هندسة التجارة العالمية نفسها، في وقت تستمر فيه التقلبات الجيوسياسية في تشكيل البيئة البحرية لسنوات مقبلة". وفي الوقت الراهن، لا تزال التجارة العالمية مثقلة بتهديدات متبادلة متدرجة أثبتت أنها لا تقل إرباكا عن الشلل الكامل؛ وحتى إذا أعاد اتفاق سلام محتمل المرور الآمن عبر هرمز، فإن آثار الاضطراب ستبقى قائمة، لأن أسابيع من الرحلات المعلقة، وتحويل مسار البضائع، والضغط على شبكات سفن التغذية خلقت تراكمات قد يستغرق التخلص منها عدة أشهر. وبالنسبة لقطاع الشحن العالمي، لن يكون إعادة فتح المضيق سوى الخطوة الأولى على طريق استعادة إيقاع حركة التجارة الذي كان يدعمه في السابق.