المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

هل تغيّر الحرب بين روسيا وأوكرانيا نظرة الاتحاد الأوروبي إلى بولندا المتّهمة بـ"تقويض سيادة القانون"

Access to the comments محادثة
بقلم:  يورونيوز
 رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيتسكي
رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيتسكي   -   حقوق النشر  Olivier Matthys/AP

منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، شاهد العالم صورا عديدة لطوابير لا متناهية من السيارات مصطفة الواحدة تلوى الأخرى على الطريق المؤدية إلى المعبر الحدودي بين أوكرانيا وبولندا ووفقًا للأمم المتحدة، فر أكثر من نصف مليون شخص من أوكرانيا منذ أن شنت روسيا غزوها، وتوافد أكثر من نصف الفارين إلى بولندا.

وفي هذا السياق، انخرط الاتحاد الأوروبي لتنسيق استقبال مئات آلاف الأوكرانيين، متحدثا عن منحهم وضعا قانونيا لحماية مؤقتة، إذ سيسمح للأوكرانيين من حاملي جوازات السفر البيومترية من الدخول إلى الاتحاد الاوروبي دون حاجة إلى تأشيرة، كما سيسمح لهم بالبقاء لمدة تصل إلى نحو ثلاثة أشهر.

وارسو تهرع لمساعدة اللاجئين الأوكرانيين

كما أعلنت وارسو استمرار عمل طاقمها الدبلوماسي في أوكرانيا، لتسهيل عمليات المغادرة لمن أراد من الأوكرانيين اللجوء إلى خارج البلاد. وأكثر من ذلك كله، تقول وارسو إنها وضعت "خطط لاستقبال اللاجئين من أوكرانيا التي تتشاركان حدوداً طولها يتعدى 500 كلم".

المساعدات الأوروبية للأوكرانيين تمر عبربولندا

وأرسلت فرنسا 33 طنا من المساعدات الإنسانية إلى بولندا لمساعدة الأوكرانيين، وفق ما أعلن وزير الداخلية جيرالد دارمانين الاثنين، كما سترسل شحنة أخرى محملة بأكثر من 30 طنا من المواد إلى مولدوفا في وقت لاحق هذا الأسبوع. وأرسلت فرنسا أول شريحة من قواتها إلى رومانيا يوم الاثنين لقيادة كتيبة جديدة للناتو هناك، وقدمت طائرات مقاتلة من طراز رافال إلى بولندا.

نقطة تحول "معتبرة"

ويشكل موقف بولندا من اللاجئين الأوكرانيين نقطة تحول "معتبرة" حين يتعلق الامر بمسألة اللاجئين، حيث يوجد في البلاد موقف مناهض لقضية اللاجئين والمهاجرين لطالما وُصف بـ"المتشدد"، والذي يرجعه بعض السياسيين إلى عدم الرغبة في استيعاب البلاد عدداً كبيراً من الأِشخاص المتحدرين أصول دينية وعرقية مختلفة.

وبعد أن بدأت روسيا هجومها على أوكرانيا، أرسلت الولايات المتحدة طائرات B-52 مباشرة إلى الجبهة الشرقية لحلف الناتو، وأجرت عمليات فوق القطب الشمالي وبحر البلطيق، وفوق بولندا أيضاً. كما نشرت واشنطن مزيدا من الطائرات المقاتلة والمروحيات الهجومية في رومانيا وبولندا ودول البلطيق.

إمدادات حربية لأوكرانيا تمر عبر بولندا

كما أصبحت بولندا أيضًا نقطة انطلاق رئيسية لإرسال طوفان من الصواريخ المضادة للدبابات والمضادة للطائرات والبنادق والذخيرة والأسلحة والدروع وغيرها من الإمدادات الحربية إلى الأوكرانيين المقاتلين.

وفي حين أن 21 دولة من أصل 27 دولة في الاتحاد الأوروبي هي أيضا أعضاء في حلف شمال الأطلسي، فإن الجهود الرامية إلى نقل المعدات والأسلحة بسرعة إلى أوكرانيا من بولندا تقوم بها دول منفردة وليست رسميا عملية لحلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي.

هل مساعدة بولندا للاجئين الأوكرانيين ستقربها بشكل "أكثر إيجابية" من المفوضية الأوروبية؟

ولا تزال بولندا في خلاف كبير مع المفوضية الأووبية، بشأن اللاجئين والاستقلال القضائي و احترام سيادة القانون، والتي فرضت عليها عقوبات في وقت سابق، من بينها الاستمرار في إعاقة تسليم مساعدات أوروبية بمليارات اليورو لإنعاش الاقتصاد البولندي في أعقاب جائحة فيروس كورونا. لكن هل إن الصورة الجديدة التي ظهرت بها بولندا، مؤخرا بشأن الاجئين الأوكرانيين من شأنها أن تقربها بشكل "أكثر إيجابية" من المفوضية الأوروبية؟

مطالبة بوقف عقوبات أوروبية ضد وارسو

قال باتريك جاكي، عضو البرلمان الأوروبي وهوموال لحزب القانون والعدالة الحاكم في بولندا "يجب على المفوضية الأوروبية أن توقف فورًا أي عقوبات ضد بولندا".

رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال يثني على الحكومة البولندية

وفي هذا السياق، فإن رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيتسكي والذي كان عرضة للانتقاد من المسؤولين الأوروببيين بشأن مسائل خلافية منها مبادىء سيادة القانون و استقلال القضاء، قد حظي بـ"ثناء" وجهه إليه رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال والذي قال له أثناء زيارته ه لمدينة رزيسزو بشرق بولندا

"أود أن أثني عليك، عزيزي ئيس الوزراء ماتيوش مورافيتسكي، وفريقك والشعب البولندي" في إشارة إلى الدعم الذي لقيه اللاجئون الأوكرانيون في بولندا.

كما وقال رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيتسكي والذي كان برفقة رئيس المجلس الأوروبى "نحن ملزمون بمساعدة جيراننا ونفعل ذلك. لقد أقمنا ممرا إنسانيا وقمنا بتسريع كل العمليات التي يمكن أن نسرعها من جانبا".

المفوضية الأوروبية تصر على ربط الأموال الأوروبية باحترام بسيادة القانون

لكن يبدو أن الاتحاد الأوروبي، لا يزال يركز على مبدأ سيادة القانون وربطها بالميزانية الأوروبي، فقد أقرت المفوضية الأوروبية الأربعاء، الخطوط الإرشادية التي تتضمن الشروط التي سوف يقطع بموجبها الاتحاد الأوروبي تمويل الموازنة للدول الأعضاء في التكتل بسبب مخاوف تتعلق بسيادة القانون.

وتأتي الخطوط الإرشادية للمفوضية بعد حكم أصدرته محكمة العدل الأوروبية في شهر فبراير الماضي، حيث قضت أعلى محكمة في الاتحاد الأوروبي بأنه يمكن للاتحاد الأوروبي أن يعلّق تسديد مدفوعات الدعم للدول الأعضاء إذا انتهكت بعض دول التكتّل " مبادئ سيادة القانون، رافضة بذلك الطعن الذي قدمته المجر وبولندا في وقت سابق بشأن آلية "سيادة القانون" الأوروبية. كما نددت بولندا حينها بما وصفته بـ"الهجوم على سيادتها". واعتبرت وارسو أن "الهجمات على استقلال القضاة والتشكيك في أسبقية القانون الأوروبي على القانون البولندي هي إجراءات تستهدف البلاد". وبناء على ذلك، حجبت بروكسل طلب بولندا للحصول على 36 مليار يورو من صندوق التعافي الأوروبي بسبب مخاوف تتعلق بسيادة القانون.

هل ستتراجع بولندا عن بعض الإصلاحات القضائية؟

وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، قالت إنها ستحجب أموال الاتحاد الأوروبي حتى تتراجع بولندا عن بعض الإصلاحات القضائية. في المقابل، تعتبر الحكومة البولندية أن تعديلاتها القضائية ضرورية لمكافحة فساد القضاة، مندّدة بـ"تدخلات" بروكسل. لكن الاتحاد الأوروبي يصر على أن هذه التعديلات تقوّض استقلالية القضاء وسيادة القانون والديمقراطية. كذلك أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مؤخراً قراراً قضى بعدم شرعية "الدائرة التأديبية" للقضاة البولنديين التي أنشأتها حكومة المحافظين الشعبوية في وارسو، والتي تقع في صلب النزاع الحاد الدائر بين بولندا والاتحاد الأوروبي.

مشروع قانون لحل الدائرة التأديبية للمحكمة العليا للقضاة

وطرح الرئيس البولندي اندريي دودا الشهر الماضي ح مشروع قانون لحل الدائرة التأديبية للمحكمة العليا للقضاة في محاولة لإنهاء الخلاف مع الاتحاد الأوروبي. وفي أكتوبر/تشرين الأول، قضت محكمة العدل الأوروبية بأنه على بولندا دفع غرامات يومية بقيمة مليون يورو على خلفية إصلاحاتها القضائية المثيرة للجدل. وستظل الإجراءات العقابية سارية المفعول حتى توافق وارسو على الامتثال لقضية حكم محكمة العدل الأوروبية في يوليو/ تموز والتي أمرت بالتعليق الفوري للغرفة التأديبية لقضاة المحكمة العليا وإلغاء القرارات التي اتخذتها بالفعل بشأن رفع الحصانة القضائية .

"الحرب تغيّر الحسابات"

وفي شأن متصل، قال جاكوب جاراجفسكي ، منسق الأبحاث في منظمة ديموقراطية تدعى "ريبورتنغ إنترناشونال" وهي منظمة غير حكومية "الحرب تغير الحسابات" مضيفا "هناك شعور قوي للغاية في بولندا بأن البلاد بحاجة إلى التغلب على الخلافات السياسية والوقوف ضد التهديد الخارجي" لافتا إلى أنه "عنندما تندلع حرب خارجية فلا حاجة إلى نشوب حرب داخلية" حسب قوله.

التغلب على الخلافات السياسية والوقوف ضد التهديد الخارجي

من جانبه، دعا سيمون هولوينا، زعيم تجمع بولندا 2050 المعارض إلى "حل سريع لقضية الغرفة التأديبية ومسألة سيادة القانون بحيث يتم إغلاق بوادر الخلاف بشكل نهائي بين وارسو وبروكسل"

كما دعا زعيم حزب "المنبر المدني" المعارض ورئيس المجلس الأوروبي السابق دونالد توسك ، إلى الوحدة الوطنية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا مطالبا في الوقت نفسه بـ "عودة سيادة القانون في بولندا". وقال في رسالة مفتوحة ، "إصلاح الوضع حول القضاء في بولندا شرط ضروري لتعزيز مكانة بولندا بين حلفائنا في كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية " لافتا إلى أن " النزاع حول مسألة القضاء يضعفنا"، مضيفًا أن حزبه سيعمل مع الحكومة "لمساعدتها للخروج من "فخ" النزاع مع بروكسل" حسب قوله.

وكان دونالد توسك تعرض لهجوم شرس من مؤيدي الحكومة بعد أن دعم حزب الشعب الأوروبي الذي ينتمي إلي ، وهو أكبر تجمع في البرلمان الأوروبي ، اقتراحًا يدعو المفوضية إلى تطبيق آلية شرط سيادة القانون "فورًا" على بولندا.

كما قالت بياتا سزيدو ، عضوة البرلمان الأوروبي ورئيسة وزراء سابقة من حزب القانون والعدالة "هل تسمحون بمزيد من الهجمات على بولندا بينما تقاوم بلادنا العدوان الروسي؟"

حذرت دراسة دولية أجرتها مؤسسة بيرتلسمان الألمانية الأسبوع الماضي من تراجع الديمقراطية في العالم وازدياد عدد الدول الاستبدادية. وصنف المؤشر بولندا البرازيل وبلغاريا والهند وصربيا والمجر-التي كانت لا تزال تُعد ديمقراطيات قبل بضع سنوات- الآن على أنها “ديمقراطيات معيبة”.

ووجد تقرير صدر يوم الأربعاء عن معهد V-Dem ، وهو منظمة غير حكومية ديمقراطية ، أن بولندا كانت واحدة من أكبر دول العالم التي تنظّر لـ"الاستبداد" وحسب المنظمة التي تعنى بتجميع للبيانات في العالم بهدف وضع تصوّر لقياس الديمقراطية فإن دولا مثل " : "بنين والسلفادور ومالي ، وموريشيوس وبولندا مؤهلة كأفضل دول استبدادية على المدى القصير أو الطويل".

لكن يبدو أن خلاف وارسو مع المفوضية الأوروبية بشأن قضايا خلافية عديدة منها ما يتعلق بسيادة القانون واستقلالية القضاء، لن يدفع ببروكسل على الاقل في المدى القريب للتغاضي عما تسميه بـ"القيم الأوروبية" والتي يعتبرها الاتحاد الأوروبي من بين المقومات المؤسسة للمشروع الأوروبي برمته.