احتل التعاون العسكري حيزاً واسعاً من المحادثات، حيث أكد رئيس الوزراء أن اليونان مستعدة لتعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية وتزويدها بمزيد من العتاد العسكري.
وجّه رئيس الوزراء اليوناني رسالة دعم واضحة إلى لبنان، معلناً في الوقت نفسه عزمه على إجراء ترقية جوهرية للعلاقات الثنائية إلى مستوى استراتيجي، وذلك خلال زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية إلى أثينا، وهي أول زيارة لرئيس لبناني إلى اليونان منذ 14 عاماً.
وأولى رئيس الوزراء اليوناني اهتماماً خاصاً بملفات تعزيز الدولة اللبنانية وقواتها المسلحة، وترسيخ الاستقرار في جنوب لبنان، والحفاظ على الطابع المتعدد الثقافات للبلاد، إلى جانب توسيع مجالات التعاون في الطاقة والاستثمارات والشحن البحري والبنى التحتية.
وقال رئيس الوزراء: "اليونان تقف بثبات إلى جانبكم في أكثر اللحظات حرجاً"، مشدداً على أن العلاقات بين أثينا وبيروت تدخل اليوم مرحلة جديدة.
وكان العنوان الأبرز للمحادثات الاتفاق على ترقية العلاقات الثنائية والدفع نحو إنشاء مجلس أعلى للتعاون بين البلدين.
وقال رئيس الوزراء: "نتخذ في الجوهر قراراً بالارتقاء بعلاقاتنا إلى شراكة استراتيجية كاملة".
ومن المنتظر أن يشمل الإطار الجديد مجالات أساسية، من بينها السياسة الخارجية والدفاع والطاقة والثقافة، بما يتيح إنشاء آلية تعاون مؤسسية أكثر تنظيماً بين أثينا وبيروت.
من جهته، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن وجود لبنان واليونان في البحر المتوسط يجعلهما يتقاسمان بحراً "يوحّدنا ولا يفرّق بيننا"، مشيراً إلى أن شعوب المتوسط كانت دائماً معتدلة، وأن هذا البحر "لا يقبل التطرف، ولا يقبل النزاعات".
وأضاف: "نأمل أن تكون علاقاتنا الثنائية نموذجاً لكل جيراننا، لكل من يريد الخير لشعبه وبلده، من دون إقصاء ومن دون أنانية".
دعم كامل لسيادة لبنان وتعزيز مؤسسات الدولة
وجدّدت الحكومة اليونانية دعمها لسيادة لبنان واستقلاله ووحدته الإقليمية، مؤكدة أن استقرار البلاد يرتبط بصورة مباشرة بتعزيز مؤسسات الدولة وترسيخ سلطة الدولة المركزية.
وقال رئيس الوزراء: "اليونان تدعم، من دون أي مساومة، سيادة لبنان واستقلاله ووحدته".
وفي السياق نفسه، شدد على موقف أثينا القائم على ضرورة حصر القوة المسلحة الشرعية بيد الدولة.
وقال: "الدولة القوية شرط للبنان قوي"، مؤكداً أن السلطة المركزية يجب أن تملك "وحدها الحق الحصري في ممارسة القوة المسلحة الشرعية على كامل أراضيها".
دعم إضافي للقوات المسلحة اللبنانية
واحتل التعاون العسكري حيزاً واسعاً من المحادثات، حيث أكد رئيس الوزراء أن اليونان مستعدة لتعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية وتزويدها بمزيد من العتاد العسكري.
وكانت أثينا قد أرسلت بالفعل شحنة ثانية مهمة من المعدات، تشمل آليات مدرعة يونانية.
وقال رئيس الوزراء: "تضامننا لا يقتصر على الكلمات".
وأضاف أن وزارة الدفاع اليونانية والقوات المسلحة اليونانية "تقف إلى جانب" لبنان، معرباً عن استعداد بلاده لتقديم "مزيد من المعدات".
وأوضح أن الهدف من هذا الدعم هو تمكين القوات المسلحة اللبنانية من ممارسة سيادة الدولة "على كامل أراضيها"، ولا سيما في الجنوب اللبناني.
"اليوم التالي" لـ"يونيفيل" واحتمال إرسال مهمة أوروبية
وتناولت المحادثات كذلك الوضع المرتقب بعد انتهاء التفويض العملياتي لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "يونيفيل" في أواخر عام 2026.
وترى أثينا أن عملية الانتقال ينبغي أن تتم بصورة منظمة، ومن دون التسبب في أي فراغات أمنية.
وقال رئيس الوزراء: "نعتبر أنه من الحاسم أن تتم هذه المرحلة الانتقالية بصورة منظمة ومن دون ثغرات أمنية".
وبحسب الجانب اليوناني، يفترض أن تضطلع القوات المسلحة اللبنانية بالدور المركزي خلال المرحلة المقبلة، بالتوازي مع حضور دولي وأوروبي داعم.
كما تدعم اليونان المناقشات الجارية داخل الاتحاد الأوروبي بشأن إطلاق مهمة في إطار السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة، وتبدي استعدادها للمساهمة في مراقبة البحر وتعزيز قدرات البحرية اللبنانية.
الطاقة والاستثمارات وآفاق التعاون الأوروبي
وإلى جانب الملفات الأمنية، تسعى أثينا وبيروت إلى فتح مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي، مع التركيز على الاستثمارات والتجارة والشحن البحري والنقل والسياحة والطاقة.
وتحدث رئيس الوزراء عن إمكانات واسعة لنقل الخبرة اليونانية إلى لبنان، ولا سيما في مجالات تحديث البنى التحتية ومصافي النفط.
وفي السياق ذاته، جرى تقديم لبنان باعتباره حلقة محورية محتملة ضمن هندسة طاقوية جديدة في شرق المتوسط.
وقال رئيس الوزراء: "اليونان تؤمن بـ'الجسور' الطاقوية وبالبنى التحتية المشتركة"، موضحاً أن الهدف يتمثل في تحويل منطقة شرق المتوسط "من ساحة توتر إلى فضاء سلمي للتعاون والترابط".
رسالة بشأن إسرائيل والاستقرار الإقليمي
وأولى رئيس الوزراء اهتماماً خاصاً للعلاقات بين لبنان وإسرائيل، مرحباً بخيار القيادة اللبنانية الاستثمار في الدبلوماسية والحوار المباشر، برعاية الوساطة الأميركية.
وقال: "أمن لبنان وأمن إسرائيل ليسا هدفين متعارضين"، رابطاً أي تسوية إقليمية قابلة للاستمرار باحترام القانون الدولي، وتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1701، واحترام سيادة جميع الدول ووحدة أراضيها.
وأكد رئيس الوزراء اليوناني كذلك أهمية الحفاظ على الطابع المتعدد الثقافات للبنان وحماية المجتمعات المسيحية فيه.
وأشار إلى أن "وجودها الأصيل" يشكل "جزءاً لا يتجزأ من الهوية التاريخية للمنطقة".
لبنان في صدارة الأجندتين اليونانية والأوروبية
وتعهدت أثينا بإبقاء لبنان في موقع متقدم على الأجندتين اليونانية والأوروبية، مع إشارة خاصة من رئيس الوزراء إلى إمكانية إقامة شراكة شاملة بين الاتحاد الأوروبي ولبنان.
وتهدف اليونان إلى إطلاق هذه المناقشات خلال رئاستها لمجلس الاتحاد الأوروبي في النصف الثاني من عام 2027.
وفي ختام الزيارة، اختار رئيس الوزراء لغة رمزية قوية لوصف طبيعة العلاقات بين البلدين، قائلاً: "نحن لسنا مجرد جيران، نحن رفقاء درب، نحن أصدقاء، نحن شعبان شقيقان".
وجدد الرسالة الأساسية التي حملتها الزيارة، مؤكداً: "في كل خطوة من هذه المسيرة، ستكون اليونان ثابتة إلى جانبكم".