عاجل

عاجل

شاهد: "بريكست" يعزز البنى التحتية لـ"السياحة المظلمة" في إيرلندا

 محادثة
شاهد: "بريكست" يعزز البنى التحتية لـ"السياحة المظلمة" في إيرلندا
حجم النص Aa Aa

"مجتمع ما بعد الصراع"، كثير من الكتّاب والإعلاميين استخدموا هذه الجملة حينما كانوا يتحدثون عن إيرلندا الشمالية، تلك الجملة التي يستطيع المرء بيسرٍ أن يقرأ من خلالها مبدأ أن "البقاء للجميع" وليس لـ "الأقوى"، كما أنه ليس لـ "الأصلح".

عقودٌ ثلاثة من النزاع والصراع الاجتماعي عاشتها إيرلندا الشمالية خلال القرن العشرين، تلك العقود التي طوتها في العام 1998، ما عُرفَ باتفاقية "الجمعة العظيمة"، التي تشكّلت على إثرها حكومة شراكة ضمّت القوى والأحزاب المتنازعة، اتفاقية الجمعة العظيمة أو اتفاقية بلفاست، كما يطلق عليها أيضاً، جلبت السلام إلى إيرلندا الشمالية، لكن بقيت أمور كثيرة عالقة لم تحل، ما جعل مشهد الجمال الذي تتمتع به هذه البلاد يشوبه ما يعكّر صفو المستمتعين به من السكّان، كما من الزوّار.

عملية السلام التي أنتجتها دهاليز السياسة، لم تقتلع من الجزيرة حواضر ما يعرف بـ"السياحة المظلمة" الموجّهة إلى أولئك الذين يعشقون زيارة الأماكن المرتبطة بالدمار والموت والكوارث، كأوشفيتز وتشرنوبل؛ وأما الأول فهو معسكر الإبادة الأكثر شهرة في أوروبا، وقد أقامه النازيون في بولندا وقُتل فيه أكثر من مليون ونصف المليون إنسان، أما تشرنوبل، فهو عبارة عن مدينة في أوكرانيا شهد أكبر كارثة نووية في العالم منتصف ثمانينيات القرن الماضي، والتي أسفرت عن مقتل المئات وإصابات الآلاف وتهجير مئات الآلاف من تلك المنطقة.

في مدينة بلفاست، الكثير من الأماكن شهدت عمليات قتل وخطف وتعذيب واضطهاد، وحفّرت تلك الأحداث أقنيتها في أدمة التاريخ، كما أوجدت تعبيراتها على أرض الواقع صورٌ لقتلى هنا، نصبٌ هناك يشير لموقع عمليات تعذيب، ونصبٌ آخر يشير لعمليات خطف أو اضطهاد أو تعنيف، مظاهر العنف تلك التي باتت جزءاً من الترويج لـ"السياحة المظلمة".

وبالعودة إلى اتفاقية بلفاست، فبعد أكثر من عشرين عاماً على إبرامها، ما زالت الجدران تفصل بين السكّان الكاثوليك وعن مواطنيهم البروتستانت، فيما توصد الأبواب بين الأحياء ليلاً.

الإيرلندي مارك نيل، سائق سيارة أجرة، ويمضي وقته في العمل غرب بلفاست، حيث المكان الذي شهد أشد الاضرابات قسوة، فكل زاوية من زواياه تروي قصة أليمة وكل طريق معبّد بذكريات حزينة.

مارك نيل، وفي ردّه على سؤال حول التداعيات التي خلّفتها التوترات الجديدة في هذه المجتمعات المنقسمة أصلاً، يقول لـ"يورونيوز": "لقد اختبر الناس هنا ويلات الاضطرابات، وهم لا يريدون العودة مرة أخرى إلى تلك الأيام المظلمة والأليمة، إنهم يريدون حياة أفضل لأطفالهم، إنهم يريدون السلام ".

لكن أجواء التفاؤل التي تخلّفها كلمات مارك نيل، لا تلبث أن تتبدد على أرض الواقع، فعمليات الخطف والاعتداءات المتبادلة بدأت تتصاعد وتائرها على نحوّ يثير الفزع والألم على حد سواء.

يقول مراسل "يورونيوز" في المملكة المتحدة: لو أن استطلاعاً للرأي أُجري العام الماضي بشأن توحيد شطري الجزيرة، لكان 30 بالمائة من السكّان أيدوا ذلك، أما اليوم وعلى إثر عدم التوصل إلى اتفاقية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فقد أصبحت نسبة أولئك الذين يؤيدون إعادة توحيد الجزيرة يفوق الـ50 بالمائة.

خلال العقدين الماضيين، أي منذ التوقيع على اتفاقية "الجمعة الحزينة"، عملت كلتا الطائفتين في الجزيرة لتحقيق المصالحة المجتمعية، وحاولوا أن يمزّقوا تلك الصفحات السود من سجّل تاريخهم، وبدأوا في كتابة تاريخ جديد يقوم على التعاون والتعاضد، هذه الروح الجديدة أنتجت الكثير من المشاريع المشتركة، التي شكّلت بدورها بنية تحتية لسياحة غاية في الرقي والفخامة والجمال.

الموقع الذي شهد بناء سفينة "تايتنيك"، الرصيف البحري، مراكز الانتاج التلفزيوني والسينمائي، المتاحف، العروض الفنية والسينمائية في الهواء الطلق، المطاعم، الفنادق، المقاهي.. لعل تلكم أبرز ما يلفت انتباه السائح الذي كان يرتاد هذه الجزيرة.

لكن الآن، وعلى وقع أزمة بريكست، تغيّر الحال، وبدأت الحياة تتخذ منحى مغايراً لذاك الذي رسمته "الجمعة الحزينة"، ففي ظل غياب الاتفاق بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن الأمور تفتحُ على احتمالات عديدة من بينها عودة الاضطرابات الاجتماعية، تلك الاضطرابات التي باتت هاجساً يثير قلق الجميع في جزيرة إيرلندا.

للمزيد في "يورونيوز"