التسامح عنوان لمهرجان الموسيقى الروحية بمدينة فاس المغربية

 محادثة
التسامح عنوان لمهرجان الموسيقى الروحية بمدينة فاس المغربية
حقوق النشر
جوق مدينة فاس للموسيقى الأندلسية
حجم النص Aa Aa

رفعت مدينة فاس المغربية التحدي ونجحت مرة أخرى في تنظيم الدورة الـ 25 لمهرجانها السنوي للموسيقى الروحية العالمية، وهو المهرجان الذي جعل من مدينة فاس مقصدا لعشاق الموسيقى الروحية حيث تستقطب هذه الفعالية الثقافية آلاف السياح من عشاق الموسيقى الصوفية.

مهرجان هذا العام جاء بلمسة "عالمية" من خلال مشاركة حوالي 150 فنانا جاءوا من مختلف أنحاء العالم، وقد اختار المنظمون شعار "فاس ملتقى الثقافات" لتعزيز الحوار بين الثقافات والأديان من جهة وتشجيع المحبة والسلام بين الشعوب والأمم من جهة أخرى، وهو ما يعزّز مدينة فاس لتكون منبرا لجميع مظاهر التسامح.

الفنان اللبناني مارسيل خليفة

الموسيقى عنوان للمحبة

ومع نسخته الـ 25 يؤكد هذا الحدث الثقافي استمراريته كموعد ثقافي سنوي، في الوقت الذي تشهد فيه بعض المهرجانات والمواعيد الثقافية الأخرى تراجعا وتذبذبا في التنظيم والبرمجة، وفي هذا المجال أكد السيد عبد الرفيع زويتن، مدير مهرجان فاس للموسيقى الروحية العالمية أن هذا الحدث أثبت وجوده خلال ربع قرن من الزمن في مدينة فاس وفي المغرب وعلى المستوى العالمي. وأرجع زويتن استمرارية مهرجان فاس للموسيقى الروحية العالمية إلى مكانه وفضائه السحري وإلى مدينة فاس في حدّ ذاتها، فهي مدينة يعود تاريخها إلى 12 عشر قرنا، وتضم إحدى أقدم المدن في العالم وإحدى أقدم الجامعات. وأضاف السيد زويتن أن لمسة التجديد التي تشهدها النسخ المتعاقبة للمهرجان جعلت منه حدثا و"علامة" للمدينة والمنطقة خاصة مع تعزيز الحوار بين الثقافات والحوار بين الأديان، الذي يعدّ مطلبا أساسيا في الوقت الحالي في ظلّ نمو التطرف عبر العالم.

عبد الرفيع زويتن: مدير مهرجان فاس للموسيقى الروحية

التنوع الفني للحفاظ على روح المهرجان

مكّن مهرجان فاس للموسيقى الروحية العالمية عشاق الفنّ الراقي من الاستمتاع ببرنامج ثري ضم عددا كبيرا من الفنانين والفرق الموسيقية على غرار فرقة أوركسترا الشباب العالمية وسامي يوسف، أحد كبار المنشدين الصوفيين وجوق مدينة فاس للموسيقى الأندلسية وعمر السرميني والأوركسترا السورية بباريس لفن الموشحات الحلبية وفرقة إنشادات فارس العريقة وكارلوس نونيز والمجموعة التقليدية لوجدة وفرقة الفلامينكو الكبرى مع خوسيه ميرسي وكوماتينو ومارسيل خليفة ويوسو ندور وغيرهم. وعن الفنانين والفرق المشاركة قال مدير المهرجان السيد عبد الرفيع زويتن إنّ المهرجان يطمح دائما إلى تجديد وتلاقح الأفكار، فهذه النسخة شهدت مشاركة نساء الغناء الصوفي السنغاليات خلال الافتتاح، وهي فرقة لم يسبق لها وأن شاركت في تظاهرات ثقافية خارج السنغال، وكذا مشاركة أوركسترا بالاكيه سيسوكو من مالي، والذي يعد من أشهر العازفين على آلة "الكورا"، إضافة إلى مشاركة المطرب السنغالي يوسو ندور، وهذا تأكيد واضح على العلاقة الوثيقة بين فاس وقارة افريقيا، فالمدينة لها تاريخ خاص مع افريقيا، فقبر سيد أحمد التيجاني موجود في مدينة فاس، كما كان للمدينة علاقات تجارية وثقافية مع مدن افريقيا جنوب الصحراء، وقد زادت "طريق السلطان" التي كانت تربط بين فاس والنيجر في تعزيز هذا التقارب حسب مدير المهرجان.

الفنان السنغالي يوسو ندور

الموسيقى تصحح أخطاء السياسة

لقد كانت الحفلات الموسيقية التي أضاءت ليالي فاس حوارا حقيقيا للحب والفرح والتناغم بين بين الثقافات العالمية، وهو ما جعلها تستقطب الآلاف، الذين وجدوا في مهرجان فاس للموسيقى الروحية العالمية لمسة مبتكرة تحمل الكثير من الإنسانية وقيم التعايش المشترك، وفي هذا المجال قال السيد عبد الرفيع زويتن أنّ مبدأ التسامح الذي يحمله المهرجان هو في حدّ ذاته تعزيز لقيم بلدنا، القيم التي تتمثل في التسامح والحوار بين الأديان وأكبر دليل على ذلك زيارة البابا فرنسيس واستقباله من قبل الملك محمد السادس. المهرجان يأخذ بعين الاعتبار هذه القيم التي أشرت إليها وأعتقد أن جهود جميع الأطراف ساهمت في استمرارية الحدث.

أوركسترا باريس للموشحات الحلبية

كما شهدت التظاهرة تنظيم ورشات وندوات للأشعار الصوفية التي تدعو للمحبة والاحترام المتبادل وتقديس الديانات في ظل عولمة متعددة، بمشاركة كتاب ومفكرين وفلاسفة، فالمهرجان يشهد من الناحية التقنية تعاونا تقنيا موسعا بين فرق مختلفة منذ حوالي ثلاث سنوات، ففاس تضم العديد من الجامعات وهناك برنامج شراكة بين المهرجان وأكبر جامعات فاس، وهذا ما يجعل من المهرجان حدثا وطنيا ودوليا حسب السيد عبد الرفيع زويتن.

العازف الأفغاني حومايون ساخي

فاس المدينة العتيقة المتجددة

ولضمان استفادة الجميع من برنامج المهرجان الثري، نظم المشرفون على التظاهرة إلى جانب العروض غير المجانية، عروضا فنية مجانية لكي يتمكن سكان فاس والطلبة والتلاميذ من حضور بعض الحفلات والتمتع باللوحات الموسيقية التي احتضنتها فضاءات المدينة القديمة كباب "المكينة" وحديقة "جنان سبيل" وساحة البطحة وساحة بوجلود. وشدد جميع من حضر فعاليات المهرجان على أهمية المكانة التي أصبح يتمتع بها هذا الحدث الثقافي العالمي، والذي بات يشكل موعدا سنويا للموسيقى الدولية وللقاءات الفكرية، إذ تمكن مهرجان فاس للموسيقى الروحية العالمية من إثبات مكانته كملتقى لنشر ثقافة التقارب بين الشعوب.

سيسوكو بالاكيه وهو يعزف على آلة الكورا

الموسيقى الروحية، العام المقبل سيكون أجمل

وقبل ختام النسخة الـ 25، بدأ القيمون على تنظيم مهرجان فاس للموسيقى الروحية العالمية التفكير في النسخة الـ 26 حيث أكد مدير المهرجان عبد الرفيع زويتن أن فريقه يعمل بوتيرة سريعة للتحضير للنسخة المقبلة من خلال التفكير في بعض المواضيع التي ستكون عنوانا لدورة العام المقبل. ورغم عدم رغبته في الإفصاح عن مضامين العدد المقبل قال زويتن: "عندما نبدأ في تنظيم المهرجان نحسّ أننا خارج الوقت خلال تسعة أيام. الموضوع الذي سيتم اختياره خلال النسخة المقبلة سيكون غنيا وثريا وسيعمل على تعزيز القيم، فهو لن يحيد عن قيم التسامح والحوار بين الثقافات والأديان، وهي قيم نحتاجها ونحتاج إلى ترسيخها وتعزيزها". وعن الصعوبات التي تصادف عملية التنظيم قال عبد الرفيع زويتن: "ما نقوم به هو عمل جماعي. هناك بعض الصعوبات مثل ما يحدث في كل مهرجان وفي كل حدث، فهناك لحظات تتطلب التسلح بالكثير من الصبر وضرورة مواصلة الإقناع، ولكني أعتقد اليوم أن هناك إجماع من قبل المسؤولين في المغرب حول ضرورة وأهمية هذا الحدث واستمراريته، مع محاولة تقديم الأحسن كل عام ومحاولة علاج النقائص وتفاديها وتطوير الأمور في كل نسخة للخروج بمهرجان في هذا المستوى".

فرقة بالاكيه سيسوكو، مالي

للتذكير، نجح مهرجان الموسيقى الروحية العالمية في التأسيس للعولمة الصوفية لمدينة فاس كمركز إشعاع ثقافي خاصة وان هذه الدورة تتزامن مع النهضة التي تشهدها فاس من خلال أعمال الترميم والصيانة والتجديد التي تشمل العديد من معالم المدينة التاريخية.

للمزيد:

انطلاق مهرجان "فاس" للموسيقى العالمية العريقة بدورته الـ25

مهرجان فاس للموسيقى الروحية يوحد ثقافات شعوب العالم ويحتفي بمعارف الأسلاف