عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

أبناء الاغتصاب في رواندا يحملون وصمة آبائهم ويبحثون عن هوية

زينه نيانغوما اغتصبت مع ابنتها (ليست في الصورة) - رواندا
زينه نيانغوما اغتصبت مع ابنتها (ليست في الصورة) - رواندا   -   حقوق النشر  MARC HOFER/AFP
حجم النص Aa Aa

نشأوا وهم يحملون وصمة العارالمتمثلة في كونهم "أطفال الجلادين"، منبوذين من مجتمعهم وباحثين عن هوية ما زالت مجهولة بعد أعوام طويلة من دون أن يبزغ ضوء في نهاية النفق.

مر ما يقرب من 27 عاماً على الإبادة الجماعية في رواندا. لكن الأطفال الذين ولدوا نتيجة الاغتصاب الذي ارتُكِب خلال محنة البلاد ما زالوا يعانون من الصدمة، حتى في وقت تعمل السلطات على تحقيق المصالحة الوطنية.

وقال باتريك (26 عاماً) "في قلبي ندوب كثيرة". وأضاف "لا أعرف من هو والدي وسيكون مستقبلي دائماً معقدا لأنني لا أعرف ماضيّ".

وعلى مدى 100 يوم في عام 1994، قُتل حوالي 800 ألف من أقلية التوتسي والمعتدلين من أغلبية الهوتو في حملة نظمتها وزادت سعيرها حكومة الهوتو المتطرفة.

وتعرضت ربع مليون امرأة للاغتصاب في إطار حملة ممنهجة شنها جنود حكومة الهوتو والميليشيات المتحالفة معهم إنتراهاموي، وأحياناً من قبل رجال محليين، وحتى جيران ضمن أحياء.

وولد من رحم هذا العنف الجهنمي ما يقدر بعدة آلاف من الأطفال. وحكم عليهم بالعار في بلد تعتبر الولادة لأب مجهول الهوية مصدر خزي.

وتحدث باتريك، الذي طلب عدم ذكر اسمه الحقيقي، لفرانس برس من بلدة نيانزا في جنوب رواندا حيث يدرس المحاسبة. وكلما تذكر كيف أنه نادراً ما اختلط بأطفال آخرين في المدرسة أصابه الانهيار.

وقال إن العبء والعزلة الاجتماعية كانا ثقيلين إلى درجة محاولته الانتحار مرة في سن 11 ومرة أخرى في 22. وأوضح "حتى سنوات قليلة ماضية، لم يكن المجتمع قادرا على قبول ما أنا عليه بسبب تاريخي". وأضاف "لم يهتم بي التوتسي أو الهوتو".

الخوف من الرفض

وطبقا لأرقام الأمم المتحدة، تم اغتصاب ما لا يقل عن 250 ألف امرأة خلال تلك الفترة. ويقول المؤرخون إن الكثيرين احتجزوا كعبيد جنس نقلت للبعض الآخر عمداً عدوى فيروس نقص المناعة البشرية.

ولم تخبر الكثير من النساء أطفالهن قط أنهم ولدوا نتيجة الاغتصاب كما لم يشاركن محنتهن مع من تزوجنهم لاحقاً، خوفاً من التعرض للرفض.

لكن العديد وافقن مؤخراً على التحدث إلى فرانس برس في منازلهن أو على هامش ورشة عمل في وسط مدينة موهانغا نظمتها المعالجة إميلين موكانسورو، لكنهن تحدثن بشرط عدم الكشف عن هويتهن.

وفقدت موكانسورو (53 عاما) والدها وثمانية أشقاء وأفراد آخرين من أسرتها خلال الإبادة الجماعية.

وتعمل منذ 18 عاماً مع ضحايا الاغتصاب. وأشرفت منذ عام 2012 طوعاًعلى تسع مجموعات علاجية في جميع أنحاء البلاد.

وتعرضت العديد من النساء في هذه المجموعات للاغتصاب و / أو التشويه أمام أحبائهن أو مجتمعاتهن.

وقالت المؤرخة هيلين دوما لفرانس برس ان "الاغتصاب استُخدم كوسيلة لاذلال وتدمير مجتمع التوتسي".

وأوضحت "من خلال استهداف أجساد هؤلاء النسوة، سعى من يقفون وراء الإبادة الجماعية إلى فرض تفكيك جذري للأبوة حتى لا تلد أي امرأة طفلا من التوتسي".

وأضافت "كانت هذه عمليات اغتصاب أيديولوجية وجزءا من حملة الإبادة الجماعية".

وأشارت إلى إدانة محكمة دولية عام 2011 بولين نيراماسوهوكو، التي كانت وزيرة رعاية الأسرة والنهوض بالمرأة في عام 1994، لدورها في الإبادة الجماعية والتحريض على اغتصاب نساء وفتيات التوتسي.

وقالت دوما "إلى اليوم، يرتبط وجود هؤلاء الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب بشكل معقّد بما حدث لأمهاتهم".

وأردفت "هذا ما يجعل هذه الإبادة الجماعية لا تنتهي أبدا".

"ابن قاتل"

وقالت أونورين، والدة باتريك، إنها احتُجزت لمدة أربعة أيام مع عدة نساء أخريات خلال الإبادة الجماعية على يد مجموعة من المتطرفين الهوتو الذين كانوا يغتصبون أسراهم بعد حملة الذبح اليومية.

وأوضحت المرأة البالغة من العمر 48 عاما والدموع تنهمر على وجهها "كانوا يقولون إنهم يريدون الحلوى.. والحلوى كنت أنا لأنني أصغرهم سنا".

وأشارت إلى أنها حاولت العودة إلى عائلتها في شمال البلاد بمجرد هروب عناصر الميليشيا، حيث تعرضت للاغتصاب مرة أخرى خلال رحلتها ما أدى إلى حملها.

وعلى الرغم من أنها عاشت في حالة إنكار لحقيقة كونها حاملاً بالتوازي مع تولّد أفكار انتحارية لديها، تمكنت من تربية ابنها، مع أنها قالت إنها لم تظهر له أي حب، وتشعر بالذنب حتى اليوم على ذلك وتلوم نفسها على سوء حالته.

وتزوجت أونورين بعد ذلك، لكن زوجها رفض وجود باتريك، مشيراً إليه على أنه "ابن قاتل".

تكررت تلك القصة بين ضحايا الاغتصاب بعد الإبادة الجماعية التي تركت رواندا في حالة يرثى لها، مع القليل من الاهتمام في البداية للنساء اللواتي يعانين من الصدمة.

لكن في السنوات الأخيرة، قامت الجمعيات التي تعنى بالناجيات والمنظمات غير الحكومية بعمل حاسم لمساعدة النساء على التصالح مع أوضاعهن.

"أسوأ المآسي الإنسانية"

بدورها، تقول غوديليف موكاساراسي (64 عاما) التي أسست منظمة غير حكومية تدعى "سيفوتا" إن هذه الجهود "ساعدت بلدا في حالة دمار ومجتمع مصدوم جراء أسوأ المآسي الإنسانية على الاستمرار في التعايش".

وعلى عكس الأطفال الذين تيتموا، لم يتم الاعتراف بأولئك الذين ولدوا نتيجة الاغتصاب في الدولة الجبلية الصغيرة الواقعة شرق إفريقيا على أنهم ناجون من الإبادة الجماعية.

وبناء على ذلك، لم يتلقوا أي دعم محدد.

وقال نفتال أهيشاكي، السكرتير التنفيذي لـ"إيبوكا"، وهي منظمة جامعة للناجين والجمعيات التي تكافح إرث الإبادة الجماعية، إن الأطفال تلقوا مع ذلك مساعدة غير مباشرة من خلال أمهاتهم اللائي تلقين مساعدة من صندوق خاص تم إنشاؤه بعد المذابح.

وتتحدر النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب من عائلات متواضعة الدخل عملت في الزراعة. وترك الكثير منهن لتدبر أمورهن بأنفسهن بعد أن فقدن المعيل أو نبذهن مجتمعهن أو أحبائهن بينما كن يغرقن في حالة من الصدمة والضعف جراء المحنة القاسية.

وروى العديد ممن قابلتهن فرانس برس المعاناة التي مررن بها في تربية أطفالهن ودفع مصاريف تعليمهم في وقت كان لزاما عليهن التعامل مع الصدمات التي تعرضن لها.

وتحدثت مارثا(46 عاماً) التي تعيش في موهانغا، كيف رفضها أشقاؤها بعد أن أنجبت فتاة في عام 1995.

وقالت إنها تعرضت للاغتصاب على مدى عدة أيام خلال الإبادة الجماعية على أيدي رجال الميليشيات الذين عثروا عليها مع العديد من النساء الأخريات يختبئن في الغابة.

وتتذكر بمرارة موقف أحد أشقائها، الذي قاتل مع الجبهة الوطنية الرواندية التي يقودها التوتسي والتي أنهت الإبادة الجماعية، عندما علم أنها حامل.

وتكشف قوله لها "لن أضيع وقتي عليك. حتى لو مت، لن أضيع الوقت في دفنك".

وذكرت أن أشقاءها كانوا يخططون لقتل الطفلة عند الولادة، لكنهم لم ينفذوا تعهدهم وتركوها في حالة عوز ووضع صحي يرثى له.

وعندما التقت فرانس برس بمارثا في كانون الأول / ديسمبر في منزلها المتواضع المحاط بأشجار الموز والكينا، كانت ابنتها ديانا البالغة من العمر 26 عاماً تساعد أخاها البالغ من العمر 15 عاما في أداء واجباته المدرسية.

ووُلد المراهق بعد زفاف مارثا على رجل من الهوتو. وقالت مارثا، التي بدت هزيلة في فستان طويل ووشاح يغطي شعرها، إن ديانا كانت في التاسعة من عمرها عندما بدأت تطرح أسئلة حول ظروف ولادتها.

وتستذكر "قلت لها في ذلك الوقت ليس لديك أب، لقد مات".

لكن بفضل العلاج، قالت مارثا إنها تمكنت أخيراً من النظر إلى نفسها "كإنسان" وتمكنت من إخبار ابنتها بحقيقة حملها بها. وذكرت ديانا بهدوء "هذا كل شيء، لم نتحدث عن الأمر مرة أخرى".

وأضافت الفتاة النحيلة ذات الوجه الجميل والعينين اللوزيتين "يجب أن أتقبل حقيقة أن والدي كان جلاداً وقاتلاً". وقالت إنها تعتبر والدتها "شجاعة للغاية" بعد أن سمعت قصص نساء يخضعن لعمليات إجهاض أو يتخلين عن أطفالهن المولودين نتيجة الاغتصاب بعد الإبادة الجماعية.

لكن التعامل مع الصدمة التي تعرضت لها عندما علمت كيف حملت أمها بها كان أمراً صعباً. وقالت ديانا إنها ألقت باللوم على نفسها لسنوات في انفصال والدتها وأعمامها.

ومع ذلك، فهي تعرف اليوم أنها "بريئة" من أي موبقات، وتواصلت مع أبناء عمومتها من خلال مجموعة أسستها على تطبيق "وتس أب". وعلى الرغم من أن أعمامها يرفضون السماح للأطفال برؤية بعضهم البعض، إلا أنها تأمل أن يساعد الوقت في إصلاح علاقتهم.

جرح مفتوح

وتقول موكانسورو إنه بالنسبة لبعض الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب، فإن الألم الذي "يرثونه" من أمهاتهم لا يطاق، وغالبا ما يكون قطع جميع الروابط هو المنفذ الوحيد.

وكان هذا هو الحال بالنسبة لباردين (57 عاما) التي تحدثت مع فرانس برس خلال إحدى ورش العمل العلاجية في موهانغا.

وعلى الرغم من ملامح وجهها المتماسكة، إلا أن نظراتها بدت حزينة وهي تروي قصتها للمجموعة.

وقالت باردين إنها ذهبت مؤخرا لزيارة ابنتها، التي قاطعتها لثلاثة أعوام، عندما أنجبت طفلها الأول لكنها "لم تسمح لي بحمل الطفل"، وهو ما دفع النساء الأخريات في المجموعة يزفرن حسرة.

وأوضحت "لقد اتهمتني بإنجابها، رغم أنها غير مرغوب فيها، وأن لا هوية لها ونشأت بدون أب".

وقالت باردين إنه على الرغم من أنها تمكنت من التغلب على محنة الاغتصاب التي تعرضت لها وربّت ابنتها بمفردها، إلا أن الرفض الذي واجهته من ابنتها زجّ بها مجددا في دوامة الاكتئاب.

وقالت "الجرح دائما موجود ويبدو كما لو كان لا يزال ينزف".

وفي حي فقير في موهانغا، يخيم التوتر على منزل غريتا البالغة من العمر 53 عاما، والتي لا تزال بحاجة إلى المهدئات يوميا بعد حوالي 27 عاما من محنتها.

وكانت غريتا متزوجة حديثا وحبلى بطفلها الأول عندما فقدت طفلها وأصيبت بحروق شديدة بعد أن اشتعلت النيران في منزلها مع انطلاق الإبادة الجماعية، بينما كان زوجها في الخارج يزور عائلته.

وقالت إنها "فقدت عقلها" لأسابيع بعد المأساة وتعرضت للاغتصاب بعد ذلك لكنها قررت وزوجها الاحتفاظ بالطفل "وهو صبي ويدعى كاليكست" وعدم مشاركة سرهما مع أي شخص.

ومع ذلك، في عام 2010 علم الطفل أن الرجل الذي كان يناديه "أبي" طوال حياته ليس والده البيولوجي، بعد نقاش محتدم بشأن دفع الأسرة الرسوم المدرسية.

"ملكتي"

وقال إنه كان في حالة إنكار في البداية لكنه تعلم التعايش مع الحقيقة بفضل الدعم الذي قدمته منظمة "سيفوتا" غير الحكومية التي ساعدت في دفع تكاليف تعليمه.

وقال الشاب طويل القامة، الذي تؤثر تأتأته على ثقته بنفسه "أخبرتني والدتي أنها على أي حال لا تعرف هوية مغتصبها ولذا كان علي أن أتعامل مع الأمر".

وأفاد فرانس برس "هذا ليس موضوعاً مفتوحاً للنقاش"، مضيفاً أنه حتى اليوم لا يعرف سوى أفراد الأسرة المقربين والمنظمة غير الحكومية أنه ولد جراء حالة اغتصاب.

أما التحدي الآخر الذي يواجه العديد من الشباب المولودين نتيجة الاغتصاب في رواندا فهو الارتباط أو إقامة علاقات.

وتقول ديانا، التي انفصلت عن صديقها الأخير قبل عامين عندما علم بقصتها "عندما تتمكن من إخبار شخص ما بأن لا أصل لك، فإنهم يصبحون متشككين".

وأضافت الشابة التي قالت إنها لم تعد تؤمن بالزواج "يجب أن يأتمن المرء الآخرين على أسراره... لكنها تصبح مشكلة عندما تكشفين إنك ابنة رجل ميليشيا".

ويقول أهيشاكي، من "إيبوكا"، إن التغلب على العواقب الكارثية للإبادة الجماعية سيستغرق عقودا. وشدد على أن "الروانديين يعيدون بناء الوحدة يوما بعد يوم".

وأردف "لكن يجب أن نستمر في توعية السكان بكيفية دمج الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب".

ويشعر كاليكست أن العرق اليوم لم يعد يلعب دورا في المجتمع. ويقول "أنا رواندي، هذا كل شيء". ويضيف "عندما سألتقي بامرأة تحبني، لن تسألني عن عرقيتي".

من جانبه، يشير باتريك إلى إنه يعمل على "تقبل" ماضيه المؤلم وبات من السهولة بمكان مشاركة قصته مع زملائه الطلاب والأصدقاء. وقال "رويدا رويدا، يتقبل الناس من أنا"، مشددا على وجود عملية "مصالحة" جارية في المجتمع الرواندي.

أما حلمه، فهو أن يتمكن يوما ما من تأسيس أسرة وكسب ما يكفي من المال لمساعدة والدته. ويهمس قائلا "إنها ملكتي، هي كل ما أملك".

المصادر الإضافية • ا ف ب