المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

شاهد: جزائري يُحاول إنقاذ مهنة "الحكواتي" من الاندثار

Access to the comments محادثة
بقلم:  Adel Dellal
euronews_icons_loading
صدّيق ماحي يُناضل لإنقاذ مهنة الحكواتي من الاندثار في الجزائر
صدّيق ماحي يُناضل لإنقاذ مهنة الحكواتي من الاندثار في الجزائر   -   حقوق النشر  Picasa/

صدّيق ماحي من مواليد 1960 بحي القرابة بمدينة سيدي بلعباس غرب الجزائر. عشقه للمسرح جعله يمتهن فن الحكاية بأساطيرها وعوالمها التي تسكن كل شبر من تراب الجزائر. فكلمات قصصه عطور وأوشمة للشخصيات التي تؤثث لقصصه وحكاياته التي تنساب منذ الزمنة الغابرة.

يعشق الأسواق الشعبية والساحات العامة لأنها كالبيوت.... تسافر بالأشخاص في عالم الحكاية بكل ما تحمله الكلمة من دلالات ومعاني. فالحكاية بالنسبة إليه لا تزال سلاحا يُستعمل في معركة تحرير الإنسان.

عشق المسرح إلى جانب عشقه للشعراء المتجولين الذين يُطلق عليهم في الجزائر بـ "القوّالين" أي مفرد "القوّال"، وهو الشخص، الذي يتمتع بفصاحة قرض الشعر أمام الأشخاص والجلوس أمامهم لرواية القصص والأساطيرالتي تحملها الأشعار. ويعتبر الحكواتي صديق ماحي الكاتب والشخص الذي يستعيد الذاكرة من خلال حكاياته التي تشبه النهر، فهي لا تنتهي.

البدايات

تعتبر والدة صدّيق ماحي مصدر إلهامه الحقيقي، فمعظم حكاياته التي يرويها في الأسواق الشعبية والساحات وعلى المسارح مصدرها والدته التي سردت على مسامعه مئات القصص في صغره، قصص تشبه تلك التي كانت ترويها شهرزاد على مسامع شهريار، ولكن ثمة اختلاف بسيط، فحكايات والدة ماحي صدّيق متشبعة من التراث الجزائري المغاربي والافريقي حيث تسيطر الأسطورة والغولة والبطل على التفاصيل.

كما لعب الأصدقاء والشارع دورا في تنمية موهبة صدّيق ياحي مع الحكاية من خلال الساحات العمومية والأسواق حيث يُزاول التجار البيع والشراء. كما أن الموروث الثقافي الجزائري لعب دورا في تنمية مواهب "الحكواتي" من خلال الشعر والشعراء والمداحة وأمثالهم الشعبية وحكاياتهم القديمة.

وخلال العشرية السوداء التي شهدتها الجزائر والتي رافقها شلل ثقافي نجم عنه إغلاق صالات السينما والمسارح وجد الحكواتي طريقه إلى قلوب الناس ضمن مجموعته المسرحية وجولاته في المدارس والجامعات، وهو ما فتح له الأبواب نحو العالمية. هذه المبادرة قلّصت من زحف العنف والإرهاب على الجزائريين وعقولهم مطلع تسعينيات القرن الماضي وجعلتهم يرفضون الإنكماش الذي فرضته عليهم الظروف الأمنية.

آخر الحكواتيين

ربما يعتبر صدّيق ماحي من بين آخر الحكواتيين في الجزائر، فهذه المهنة بدأت في الإندثار بسبب إنشغال البعض بالكتاب والبعض الآخر بالتلفزيون، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت توفر قصصا جاهزة وبتقنيات إخراج عالية الدقة. لكن يبدو أن هناك من يُفضل الجلوس والإنصات إلى الحكواتي، بعد أن أصبح مروره بحي "الطحطاحة" أو بالسوق الشعبي ظاهرة قد لا تتكرر.

ويعتبر صدّيق ماحي أن التطور التكنولوجي طغى على عقلية الجيل الجديد، فكل شيء يبحث عنه الشخص أصبح متوفرا على الشبكة العنكبوتية، وبمجرد نقرة يجد ما يبحث عنه. لذا فهو يسعى الخروج من هذه النمطية من خلال السعي لتسليط الضوء على التراث وإحياء الذاكرة والمحافظة عليها من الاندثار.

أعماله

الحكواتي صدّيق ماحي عنصر فعال في مهرجان الحكاية بمدينة وهران الجزائرية، وهو الموعد الثقافي الذي يسعى إلى الحفاظ على التراث الشعبي للحكاية وقد ساهم بفضل أعماله في إعطاء المهرجان دفعة قوية حيث أصبح عشاق "الحكاية" يطلبون أعماله التي تعدّ صورة مصغرة للمجتمع بومياته المختلفة التي تتخللها أفراح وأحزان.

ومن بين أهم أعماله "واش قالت ناس زمان"، "رميضة"، "هاتو بن هاتو"، "العذراء بنت السبع"، "حديدوان والغولة"، "مولى مولى"، "الطير ذي المنقار الأخضر"، وغيرها وكلها من قصص التراث الشعبي الجزائري، إضافة إلى قصص تحاكي "كليلة ودمنة". وعن "مولى مولى" يقول صدّيق ماحي أن هذه الحكاية وليدة واقعة حدثت معه في مدينة تمنراست في الجنوب الجزائري عند زيارته لمنطقة "الهقار وبمرور طائر متوسط الحجم وكان يتفاءل السكان برؤيته حسب عاداتهم و يطلقون عليه اسم "مولى مولى" وهنا جاءت فكرة عمله الحكواتي بعد قيامه بالعديد من البحوث وقام بكتابة القصة بزيادة بعض اللمسات والخيال عليها، إضافة إلى قصة "النورس" والتي تعتبر إسقاطا لظاهرة "الحرقة". وللحكواتي أعمال قصصية أخرى ممثل "حجرة القمرة"، "بنادم لي كان يشوف الليل"، "مرآة المياه"، "الأسطورة المنسية للملك سيفاكس"، وغيرها من الأعمال.

الحكواتي والتعليم

بالنسبة لصدّيق ماحي للحكاية أهداف تربوية، فهي مهمة جدا في التعليم والمنظومة التربوية خاصة في المدارس الابتدائية حيث يتفاعل الأطفال بشكل كبير مع الحكايات وينجذبون إلى القصص بشكل كبير. فالحكاية تلعب دورا كبيرا في تنمية قدرات الطفل مثل الخيال وحب الإستطلاع والبحث وبالتالي تنمية ذكائه وقد دفعت هذه الأمور بالسلطات التربوية إلى إعادة إدراج فن الحكاية في البرامج التربوية. فالحكاية الشعبية حسب الحكواتي تحمل في طياتها أهدافا تربوية وفنية وثقافية وسياسية واجتماعية تتجاوز الظّاهر منها وتتجاوز سلطة الأب والأم والمعلم.

من الجزائر إلى العالمية

تمكن الحكواتي الجزائري صدّيق ماحي من نقل الحكاية والمروث الشعبي الجزتئريين من بلاده إلى عدة أماكن في العالم حيث شارك في تظاهرات ثقافية لفن الحكاية في المغرب وفي عدة دول عربية وأجنيه أخرى، وقدم حكايات من التراث الشعبي الجزائري، بطابع "القوّال" و"المداح"، الذي يعطي بصمة خاصة للتراث الجزائري.

وقال عن مشاركته بمهرجان "مغرب الحكايات الدولي" في دورته الـ 17، أنه قدم فيها حكاية "العذرة بنت السبع"، والتي يعتبرها من أهم الحكايات الشعبية في التراث الجزائري حيث قام بتسجيلها وتم عرضها عبر المواقع الالكترونية الخاصة بهذا المهرجان الذي يعرف مشاركات من مختلف دول العالم. وشارك أيضا في تظاهرات ثقافية في الإمارات العربية المتحدة، مصر، الأردن، فرنسا وبريطانيا وغيرها من دول العالم.

الحكواتي وكورونا

عانى الحكواتي صدّيق ماحي كغيره من زملائه في المجال الثقافي خلال جائحة كورونا، ولكنه تدارك الأمر من خلال التجربة، التي حولته لمواقع التواصل الاجتماعي حيث خصص له المسرح الوطني برنامجا اسبوعيا خاصا قدم فيه أهم الحكايات التي يزخر بها التراث الشعبي الجزائري وهي نفس الحكايات التي شارك بها في عدة تظاهرات ثقافية دولية.

ويعتبر صدّيق ماحي نفسه كطباخ يملك وصفة جاهزة، إلا أنه يختار التوابل على ذوقه، فتأتي "الأكلة" مختلفة عن الأكلة نفسها على أيدي طباخين آخرين أي أن أكلته تحمل لمسته الخاصة. وكثيرا ما يتعمّد إشراك يالجمهور في حكاياته من خلال طرح الأسئلة، مثلما كان يفعل مع والدته عندما كان طفلا، لكي تأخذ الحكاية مجرى آخر وتخرج عن إطار الرتابة.

ويكافح صدّيق ماحي من أجل الإرتقاء بفن الحكواتي وإنقاذه من الإندثار حيث لا يتوقف عن دعوة المؤسسات الثقافية والدوائر الحكومية بالجزائر إلى التكفل والإهتمام بالمهنة وبـ "الحكاية" وبدورهما في تربية وتعليم وتثقيف المجتمع.

منتج شريط الفيديو • Hafsa Alami Rahmouni