في أعقاب موجة الارتفاع الكبيرة التي شهدتها العملات المشفّرة بعد إعادة انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، اندفع كثير من المستثمرين الجدد وراء الأرباح السريعة، لكن الخسائر التي تكبّدوها بدت محدودة مقارنة بما خسره الرئيس نفسه، بعدما دخلت عائلته في رهان ضخم على البيتكوين.
عادةً، الاستثمار بالأموال عندما تصل الأسعار لذروتها يؤدي إلى نتيجة شبه حتمية: تعميق الخسائر. وهذا ما حدث فعلياً في عام 2025، عندما قررت عائلة دونالد ترامب ضخ مليارات الدولارات في البيتكوين، في لحظة كانت الأسواق فيها تعيش حالة اندفاع غير مسبوقة، وفق تقرير نشرته مجلة "فوربس".
في مايو 2025، ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، كانت أسواق العملات المشفّرة تسجّل ارتفاعات حادة. وفي هذا السياق، قرر أبناء ترامب (الذين كانوا قد ساهموا سابقاً في زيادة ثروة والدهم بمئات الملايين عبر أصول رقمية تحمل اسمه) الانتقال إلى خطوة أكبر، عبر الرهان بحجم مؤسساتي على العملة الأبرز في هذا القطاع: البيتكوين.
وقد جاء هذا القرار مدفوعاً بتوقعات متفائلة للغاية. ففي ذلك الوقت، كان سعر البيتكوين يبلغ 108,000 دولار، بينما رجّح الأبناء أن يتجاوز 170,000 دولار خلال عام واحد. وقال إريك ترامب في أحد مؤتمرات البيتكوين: "أعتقد أنه سيتجاوز 170,000 دولار"، في حين قدّر دونالد ترامب الابن السعر بين 150,000 و175,000 دولار.
رهان يعيد تشكيل الثروة
تولّى الشقيقان إدارة أعمال والدهما عقب عودته إلى البيت الأبيض، وذهبا بعيداً في إيمانهم بالبيتكوين إلى حد المخاطرة بأموال حقيقية. وكان ترامب قد وضع أهم أصوله، وهي حصة تبلغ 52% في شركة Trump Media and Technology Group تُقدّر بـ2.6 مليار دولار، ضمن صندوق ائتماني يبقيه المستفيد الوحيد، مع منح السيطرة الفعلية لابنه.
تحت إدارة الجيل الأصغر، تحوّلت الشركة من منصة تواصل اجتماعي إلى لاعب رئيسي في سوق العملات المشفّرة. فقد باعت أسهماً بقيمة 1.4 مليار دولار، وأصدرت سندات قابلة للتحويل بقيمة مليار دولار، لتوظيف العائدات في شراء البيتكوين. وخلال الفترة بين الإعلان عن الصفقة وتنفيذها، واصل سعر البيتكوين ارتفاعه ليصل إلى 119,000 دولار في يوليو، وهو الشهر الذي أتمّت فيه الشركة عمليات الشراء.
هذه الخطوة بدّلت شكل استثمارات الرئيس بالكامل، إذ انخفضت حصته في الشركة إلى 41%، بالتوازي مع إضافة ديون كبيرة، وتحويله إلى أحد أكبر المستثمرين في البيتكوين عالمياً. ولو تحققت التوقعات التي وضعها الأبناء، لكانت الأرباح قد بلغت نحو مليار دولار خلال عام واحد.
من الذروة إلى الانهيار
لم يتحرك السوق كما كان متوقعاً، فقد توقّف صعود البيتكوين بعد تنفيذ عمليات الشراء، ليستقر نسبياً لعدة أشهر من دون مؤشرات واضحة على مكاسب أو خسائر كبيرة. وفي أغسطس، تعرضت الشركة للمزيد من المخاطر عبر استثمار إضافي بقيمة 114 مليون دولار في عملة مشفّرة أقل شهرة تُدعى Cronos.
غير أن التحوّل الحاسم جاء في أواخر نوفمبر، عندما تراجع السوق الأوسع، ما انعكس سلباً على الأصول عالية المخاطر، وعلى رأسها البيتكوين وCronos. وبحلول نهاية الشهر، انخفضت قيمة الأصول المشفّرة التي اشترتها الشركة مقابل 2.4 مليار دولار إلى نحو 1.8 مليار دولار.
داخل الشركة، بدأت محاولات احتواء الخسائر، إذ لجأت Trump Media إلى التحوّط لنحو ثلث استثماراتها في البيتكوين مع نهاية العام، في خطوة هدفت إلى الحد من الخسائر المحتملة، وإن كانت تقلّص أيضاً فرص الأرباح.
وفي يناير، شكّل موقف رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول عاملاً إضافياً في الضغط على السوق، بعدما أشار إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة، ما أدى إلى تراجع سعر البيتكوين بنسبة 5% خلال يوم واحد، وانخفاض قيمة حيازات الشركة إلى نحو 1.7 مليار دولار.
ورغم تمديد إجراءات التحوّط حتى يونيو، بدلاً من مارس كما كان مخططاً، بقيت فعالية هذه الخطوة غير واضحة. ومع ذلك، سعت الشركة إلى الحفاظ على خطاب ثقة، إذ أكدت المتحدثة باسمها شانون ديفاين أن الاستثمار في البيتكوين يُنظر إليه كاستثمار طويل الأمد، وليس وفق تقلبات قصيرة أو دورية.
ومع تداول البيتكوين عند نحو 72,000 دولار حالياً، انخفضت قيمة الأصول المشفّرة للشركة إلى حوالي 1.4 مليار دولار، أي بخسارة تُقدّر بمليار دولار. أما الحصة الشخصية للرئيس، فقد تراجعت قيمتها بنحو 1.6 مليار دولار منذ اللحظة التي أعلن فيها أبناؤه توقعاتهم المتفائلة على المسرح.