تدهورت العلاقات بين إسرائيل وإسبانيا بشكل كبير منذ أن اعترفت مدريد بدولة فلسطين في عام 2024، وقد سحبت الدولتان سفيريهما.
أمر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الجمعة بإبعاد ممثلي مدريد عن أعمال "مركز التنسيق المدني العسكري" في كريات غات، في خطوة وصفها بأنها رد مباشر على ما سماه "حملة دبلوماسية عدائية" تشنها الحكومة الإسبانية ضد تل أبيب.
وجاء القرار الإسرائيلي ليضع نهاية فورية لمشاركة إسبانيا في المبادرة التي تقودها الولايات المتحدة بهدف استقرار قطاع غزة بعد الحرب، في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية بين البلدين تجميداً دبلوماسياً كاملاً منذ سحب السفراء في عام 2024 عقب اعتراف مدريد بالدولة الفلسطينية.
وفي بيان مصور أدلى به من مقر المركز، أعلن نتنياهو عن إصدار تعليمات صارمة بمنع دخول الممثلين الإسبان إلى المنشأة الواقعة في جنوب إسرائيل.
وقال: "لقد أصدرت اليوم تعليمات بإبعاد ممثلي إسبانيا من مركز التنسيق في كريات غات، بعد أن اختارت إسبانيا مراراً الوقوف ضد إسرائيل".
وشدد رئيس الوزراء الإسرائيلي على أن بلاده "لن تصمت في مواجهة أولئك الذين يهاجمونها"، مضيفاً بنبرة حازمة: "أنا غير مستعد للتسامح مع هذا النفاق والعدائية. لن أسمح لأي دولة بشن حرب دبلوماسية ضدنا دون أن تدفع ثمناً"، في إشارة صريحة إلى حرمان مدريد من المشاركة في الجهود الدولية لإعادة إعمار واستقرار القطاع الفلسطيني.
واعتبر نتنياهو أن الموقف الإسباني يضعها خارج دائرة الشركاء الاستراتيجيين، قائلاً: "أولئك الذين يهاجمون دولة إسرائيل بدلاً من مواجهة الأنظمة الإرهابية لن يكونوا شركاءنا في تشكيل مستقبل المنطقة".
طبيعة المركز والدول المشاركة
يُذكر أن مركز التنسيق المدني العسكري في كريات غات قد أُنشئ بمبادرة أمريكية عقب دخول وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. ويهدف المركز إلى مراقبة تنفيذ بنود الهدنة وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع الذي دمرته حرب استمرت لأكثر من عامين.
ويضم المركز في اجتماعاته العسكرية والدبلوماسية ممثلين عن عدة دول شريكة، منها فرنسا وبريطانيا والإمارات العربية المتحدة، الذين يناقشون القضايا الأمنية والإنسانية العالقة.
وكانت إسبانيا تشارك فعلياً في نشاطات هذا المركز قبل صدور قرار المنع الإسرائيلي المفاجئ يوم الجمعة، والذي أكدته وزارة الخارجية الإسرائيلية في بيان سابق.
جذور الأزمة وتصعيد متبادل
تعكس هذه الخطوة ذروة التوتر المتصاعد بين تل أبيب ومدريد في الأشهر الأخيرة، حيث يعد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز من أبرز المنتقدين الدوليين للحرب الإسرائيلية على غزة التي اندلعت إثر هجوم حركة حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ورداً على ذلك، شن المسؤولون الإسرائيليون هجوماً لفظياً وسياسياً على مدريد. فقد اتهم وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الحكومة الإسبانية بـ"الوقوف مع الطغاة" بسبب معارضتها للعمليات ضد إيران، كما وجه لها اتهاماً أثقل بتكونها "متواطئة في التحريض على الإبادة الجماعية ضد اليهود وفي جرائم حرب"، وذلك عقب قرارها الاعتراف بدولة فلسطين.
يشار إلى أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لم تُقام إلا في عام 1986، وهي تشهد الآن أحد أسوأ منحنياتها التاريخية.
استنكار إسباني وتصعيد مع واشنطن وطهران
وعلى صعيد متصل، زاد موقف مدريد تعقيداً باستنكاره الشديد أمس الخميس للغارات الإسرائيلية على لبنان والحرب الأوسع نطاقاً ضد إيران، في تصعيد جديد لانتقاداته للحملات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط، متحدياً التهديدات الأمريكية بمعاقبة أعضاء حلف شمال الأطلسي غير المتعاونين.
وقد أدت المعارضة الإسبانية المتزايدة للصراع مع إيران إلى مزيد من توتر العلاقات مع واشنطن، خاصة في ظل استمرار شخصيات بارزة من حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" (ماغا) التابعة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حثّه على فرض عقوبات على مدريد.
وفي تأكيد على حدة الموقف، وصف وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أمام البرلمان أمس الخميس هذا الصراع بأنه "هجوم على الحضارة"، مُكرّراً بذلك الانتقادات اللاذعة التي كان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز قد وجّهها سابقاً لقرار ترامب شن هجمات على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.