تحوّلت قضية استخدام الكلاب في الاعتداءات الجنسية بحق أسرى فلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة إلى محور نقاش إعلامي وحقوقي واسع، بعدما خرجت من إطار المنشورات والتعليقات الإلكترونية إلى دائرة أوسع من التفاعل.
تناول الكاتب الأمريكي نيكولاس كريستوف القضية في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز، تحدث فيه عن انتهاكات جنسية واسعة بحق معتقلين فلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية.
ونقل كريستوف شهادة صحافي من غزة لم يُكشف عن اسمه، قال إن حراساً استدعوا كلباً أثناء احتجازه عام 2024. وكتب: "قال إنه حاول إبعاد الكلب، لكنه اخترقه". كما أشار إلى أن أسرى آخرين تحدثوا عن تجارب مشابهة، مستنداً إلى مصادر ومؤسسات مؤيدة للفلسطينيين.
وفي منشور عبر منصة "إكس"، قال كريستوف عن تناوله لهذه القضية، مؤكدا إن عدداً من الفلسطينيين نقلوا هذه الحوادث، مضيفاً أن "ثلاث مقالات طبية مختلفة على الأقل ناقشت إصابات في المستقيم لدى البشر نتيجة اختراق شرجي من كلاب".
وأظهرت مراجعة لسجلات طبية منشورة في قاعدة بيانات "PubMed" أن بعض التقارير الطبية تناولت إصابات لدى بشر ناتجة عن اختراق من كلاب، من بينها تقرير طبي من أوروغواي عام 2019 تحدث عن إصابات لدى طفلة تبلغ ست سنوات نسبها طبيب إلى كلب.
انتشار على منصات التواصل
تحدثت منظمات حقوقية إسرائيلية بشكل منفصل عن اعتداءات جنسية داخل السجون الأمنية، إضافة إلى استخدام الكلاب لترهيب الأسرى الفلسطينيين والاعتداء عليهم.
وقال المحلل المختص بمتابعة انتشار المعلومات عبر الإنترنت، ترافيس هاولي، لـ"جيروزاليم بوست" إن الحديث عن استخدام الكلاب في الاعتداءات الجنسية كان متداولاً منذ نحو عامين، لكنه شهد انتشاراً واسعاً خلال الشهر الأخير.
وبحسب هاولي، بدأت موجة الانتشار عام 2024 بعد مقابلة مع المدير العام لوزارة الصحة في غزة التابعة لحماس، نشرتها قناة "الجزيرة" بالعربية عبر حسابها على منصة "إكس" في يونيو/ حزيران، قال فيها إن الإسرائيليين "جعلوا هذه الكلاب تقوم بأفعال دنيئة بحق المعتقلين".
بعدها بأيام، أعاد حساب "سابريسد نيوز" نشر المقطع باللغة الإنجليزية، ما ساهم في توسيع انتشاره وإدخال كلمة "اغتصاب" إلى النقاش المتداول على الإنترنت.
كما أعادت حسابات وشخصيات معروفة بانتقادها لإسرائيل نشر الروايات، من بينها حساب "تراك أيباك"، والصحافي رايان غريم، وبريانا جوي غراي، السكرتيرة الصحافية السابقة لحملة بيرني ساندرز الرئاسية عام 2020.
معتقل "سديه تيمان"
عادت القضية إلى الواجهة بقوة بعد الجدل الذي أثاره معتقل "سديه تيمان"، عقب إسقاط السلطات الإسرائيلية التهم عن حراس اتُهموا بالاعتداء الجنسي على أسرى داخل المعتقل، في قضية موثقة بفيديو أثارت صدمة واسعة داخل إسرائيل.
واعتبر هاولي أن عودة قضية "سديه تيمان" إلى النقاش العام شكّلت نقطة مفصلية ساهمت في إعادة إحياء الحديث عن استخدام الكلاب في الاعتداءات الجنسية.
وفي خضم هذا الجدل، أصدرت منظمة "الأورومتوسطي لحقوق الإنسان"، ومقرها جنيف، تقريراً قالت فيه إنها قابلت أسرى سابقين تحدثوا عن تعرضهم لذلك بشكل مباشر.
كما نشر شاييل بن إفرايم، وهو إسرائيلي يقيم في الولايات المتحدة وباحث سابق في جامعة كاليفورنيا، أن "مصدراً إسرائيلياً" أكد له استخدام الكلاب في الاعتداءات الجنسية، من دون الكشف عن هوية المصدر.
ووفقاً لهاولي، شكّل هذا المنشور لحظة محورية في انتقال الرواية إلى مستويات أوسع من الانتشار، لأنه أضاف، بحسب قوله، بعداً جديداً تمثل في وجود إسرائيليين يتحدثون عن هذه القضية، وليس فقط فلسطينيين أو جهات متضامنة معهم.
ومع اتساع دائرة الجدل، أعاد رامي الغندور، رجل أعمال في مجال التكنولوجيا الحيوية والمدعو لإلقاء كلمة التخرج في كلية الهندسة بجامعة روتجرز، تسليط الضوء على القضية عبر تغريدة هاجم فيها إسرائيل، وكتب: "لقد ارتكبوا إبادة جماعية. إنهم يديرون زنازين يدربون فيها الكلاب على الاعتداء الجنسي على الأسرى... حظر السلاح هو الحد الأدنى".
وأُلغيت دعوته لإلقاء الكلمة، غير أن القضية واصلت الانتشار، قبل أن تصل إلى جمهور أوس بعد نشر مقال كريستوف في "نيويورك تايمز"، مستنداً ضمن أدلته إلى تقرير "الأورومتوسطي" ومنشور بن إفرايم.
روايات تعود إلى التاريخ
لم تكن هذه القضية، وفق ما أُعيد تداوله أخيراً، مرتبطة بالسجون الإسرائيلية وحدها، إذ سبق أن ظهرت روايات مشابهة في سياقات تاريخية أخرى. فقد كتب الصحافي لورنس رايت أن السلطات المصرية استخدمت كلاباً للاعتداء على سجناء خلال حكم النظام الذي سقط في ثورات الربيع العربي عام 2011.
كما ارتبط اسم إنغريد أولدروك، المعروفة بلقب "سيدة الكلاب"، بتدريب كلاب "جيرمن شيبرد" على اغتصاب معارضات خلال حكم الدكتاتور أوغستو بينوشيه في تشيلي.
وفي ثمانينيات القرن الماضي، نشرت وكالة "جويش تيليغرافيك أجينسي" أن كلاوس باربي، وهو ضابط نازي معروف بـ"جزار ليون"، درب كلباً على اغتصاب النساء.
وفي السياق نفسه، كتب الصحافي زياد جيلاني عبر منصة "إكس": "استُخدمت الكلاب لاغتصاب البشر خلال الهولوكوست. لم أتوقع أن تتحول الدعاية الإسرائيلية إلى إنكار حرفي للهولوكوست".
وجاء ذلك رداً على طبيبة يهودية كانت قد كتبت: "الكلاب لا يمكنها اغتصاب البشر من الناحية التشريحية. بصفتي طبيبة، ظننت فقط أن عليّ الإشارة إلى ذلك. لماذا المعادون للسامية أغبياء إلى هذا الحد؟".