أكد الكاتب أن كردستان ليست إسرائيل، وأن ظروف الطرفين مختلفة، إلا أن تجربة إسرائيل تظهر أن منطقة صغيرة يمكنها بناء اقتصاد أكثر استقلالية عبر الاستثمار في الابتكار.
في تحليل نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست"، طُرحت تساؤلات حول إمكانية تحول إقليم كردستان إلى مركز إقليمي للشركات الناشئة والتكنولوجيا، مستفيدًا من تجربة إسرائيل في بناء اقتصاد قائم على الابتكار.
وأشار التحليل إلى أن كردستان تسعى إلى تغيير صورتها عالميًا، بعدما ارتبط اسمها لفترة طويلة بملفات مثل نظام صدام حسين وتنظيم داعش، والنفط. ويرى كاتب التحليل أن استمرار ارتباط المنطقة بصورة "البقاء والصراع" قد يحد من قدرتها على جذب الاستثمارات اللازمة لبناء اقتصاد أكثر ازدهارًا.
وأوضح التقرير أن التجربة الإسرائيلية تكشف تمكن تل أبيب من بناء واحدة من أقوى منظومات الشركات الناشئة في العالم. غير أن التحليل شدد على أن كردستان لا تحتاج إلى نسخ النموذج الإسرائيلي، بل إلى استخلاص الدروس منه بما يتناسب مع ظروفها الخاصة.
وتواجه كردستان تحديات مختلفة، من بينها اعتماد صادرات النفط على عوامل سياسية خارجة عن سيطرتها، والحاجة إلى تحديث النظام المصرفي، وضعف منظومة رأس المال المخاطر، إضافة إلى غياب البنية التكنولوجية والعسكرية التي ساعدت على نمو قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي.
ويرى التحليل أن تنويع الاقتصاد يمثل أولوية بالنسبة لإقليم كردستان، خاصة بعد تعرض قطاع النفط لمخاطر سياسية متكررة. وأشار إلى توقف خط الأنابيب بين العراق وتركيا عام 2023، والذي كان ينقل نحو 450 ألف برميل يوميًا من شمال العراق، قبل أن تستأنف عمليات النقل بعد مفاوضات بين الأطراف المعنية.
وبدأت حكومة إقليم كردستان خطوات لتنويع الاقتصاد، حيث تم إطلاق أكثر من 1650 مشروعًا استثماريًا منذ عام 2006، بقيمة إجمالية بلغت نحو 80 مليار دولار، تشمل قطاعات التصنيع والعقارات والسياحة والتجارة والزراعة.
لكن التحليل يرى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من جذب الاستثمارات التقليدية إلى بناء منظومة ابتكار متكاملة، تشمل تمويل الشركات الناشئة، وربط الجامعات بالصناعة، وتطوير القطاع المصرفي، واستقطاب المستثمرين من الخارج.
تجربة إسرائيل
تناول التحليل تجربة إسرائيل في تطوير قطاع التكنولوجيا، مشيرًا إلى أن نجاحها جاء نتيجة سياسات حكومية طويلة الأمد. وأوضح أن إسرائيل أصبحت من بين الدول الأكثر إنفاقًا على البحث والتطوير، حيث يتجاوز الإنفاق 6% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما يشكل قطاع التكنولوجيا المتقدمة جزءًا كبيرًا من الاقتصاد والصادرات.
ويرى التحليل أن الدرس الأساسي بالنسبة لكردستان لا يتمثل في تقليد التجربة الإسرائيلية، وإنما في بناء مؤسسات قادرة على خلق الثقة لدى المستثمرين.
وأكد التقرير أن الجامعات يمكن أن تلعب دورًا اقتصاديًا يتجاوز التعليم، عبر تحويل الأبحاث العلمية إلى مشاريع تجارية، مستشهدًا بتجربة جامعة تل أبيب التي تربط الابتكارات الأكاديمية بالسوق.
وأشار إلى أن كردستان شهدت توسعًا كبيرًا في قطاع التعليم العالي منذ عام 2003، حيث ارتفع عدد مؤسسات التعليم العالي من أربع إلى نحو 50 مؤسسة عامة وخاصة.
كما أبرز التحليل أهمية الجالية الكردية في الخارج، خاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية، باعتبارها مصدرًا محتملًا لرأس المال والخبرات، داعيًا إلى إنشاء شبكات استثمار وربط رواد الأعمال الأكراد بالمستثمرين والمهنيين في الخارج.
ورغم وجود مبادرات لدعم ريادة الأعمال، مثل حاضنات الأعمال وبرامج التدريب، أشار التحليل إلى وجود عقبات هيكلية، من بينها ضعف الوصول إلى التمويل، وتحديات النظام المصرفي، ونقص حماية الملكية الفكرية، وضعف الروابط بين الجامعات والقطاع الخاص.
هجرة الشباب
حذر التحليل من أن محدودية الفرص الاقتصادية قد تدفع مزيدًا من الشباب الأكراد إلى الهجرة، مشيرًا إلى أن دراسة للمجلس الثقافي البريطاني أظهرت أن 59% من الشباب في إقليم كردستان يفكرون في الانتقال إلى بلد آخر.
وخلص تحليل "جيروزاليم بوست" إلى أن كردستان تمتلك عناصر مهمة لبناء اقتصاد قائم على الابتكار، من بينها قوة بشرية شابة ومتعلمة، ومجتمع اغتراب يمتلك الخبرات ورأس المال، وبدايات لمنظومة ريادة أعمال.
لكن التحدي الأكبر، بحسب التحليل، يتمثل في جمع هذه العناصر ضمن نظام اقتصادي متكامل قادر على تحويل الطموح إلى شركات ناجحة واستثمارات مستدامة.
وأكد الكاتب أن كردستان ليست إسرائيل، وأن ظروف الطرفين مختلفة، إلا أن تجربة إسرائيل تظهر أن منطقة صغيرة يمكنها بناء اقتصاد أكثر استقلالية عبر الاستثمار في الابتكار.
وختم التحليل بالقول إن "المواد الأولية" لبناء دولة شركات ناشئة موجودة في كردستان، لكنها تحتاج إلى البنية المناسبة لتفعيلها وتحويلها إلى قوة اقتصادية.