يتطلب تعليق اتفاقية التعاون مع إسرائيل بصورة كاملة إجماع الدول السبع والعشرين الأعضاء في التكتل، وهو سيناريو يرجح دبلوماسيون أوروبيون أن يعرقله حلفاء الدولة العبرية داخل الاتحاد.
اصطدمت مساعٍ تقودها إسبانيا وإيرلندا لتعليق اتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل برفض ألماني إيطالي صريح، الثلاثاء، خلال اجتماع وزراء خارجية التكتل في لوكسمبورغ، في وقت يتصاعد فيه الغضب الأوروبي إزاء الحرب الدائرة في لبنان والأوضاع المتدهورة في الضفة الغربية المحتلة.
وجددت مدريد ودبلن الدعوة إلى تعليق العمل بالاتفاقية المبرمة مع إسرائيل منذ يونيو حزيران عام 2000، لكن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول وصف المقترح صراحة بأنه "غير مناسب"، مؤكداً في مستهل الاجتماع أن "علينا التحدث مع إسرائيل عن القضايا المهمة عبر حوار بناء".
أما وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاياني فكان أكثر حسماً بقوله إنه "لن يتم اتخاذ قرار اليوم" في هذا الشأن، في إشارة واضحة إلى أن التكتل لا يزال بعيداً عن الإجماع المطلوب لاتخاذ خطوة بهذا الحجم.
يأتي هذا الجدل في سياق تحول ملحوظ في مواقف عدد من العواصم الأوروبية، التي كانت قد نددت بممارسات إسرائيل خلال حرب غزة، قبل أن تتخذ نبرة أكثر تشدداً في أعقاب العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وإقرار الكنيست قانوناً يجيز فرض عقوبة الإعدام في الضفة الغربية المحتلة ويطبقها فعلياً بحق الفلسطينيين.
وقالت وزيرة الخارجية الإيرلندية هيلين ماكينتي خلال الاجتماع "علينا التحرك. علينا ضمان حماية قيمنا الأساسية".
جبهة داعمة للتحرك وأخرى معرقلة
لا ينطلق المقترح الإسباني من موقع معزول داخل أروقة التكتل، إذ سبق أن دعمت دول مثل بلجيكا وسلوفينيا وفنلندا وفرنسا وإيرلندا ولوكسمبورغ والبرتغال والسويد مبادرات مماثلة.
وفي المقابل، تقف بلغاريا وكرواتيا وقبرص وألمانيا واليونان وهنغاريا وإيطاليا وليتوانيا في صف المعارضة لأي تحرك من هذا القبيل.
وكان الاتحاد الأوروبي قد طرح العام الماضي سلسلة من الإجراءات المحتملة لمعاقبة إسرائيل على خلفية حصيلة الضحايا المدنيين في غزة، شملت قطع العلاقات التجارية وفرض عقوبات على وزراء في الحكومة الإسرائيلية.
غير أن أياً من الخطوات التي وضعتها بروكسل على الطاولة لم تحصل بعد على الدعم اللازم من الدول الأعضاء لدخولها حيز التنفيذ.
آلية القرار تقف حجر عثرة
يتطلب تعليق اتفاقية التعاون مع إسرائيل بصورة كاملة إجماع الدول السبع والعشرين الأعضاء في التكتل، وهو سيناريو يرجح دبلوماسيون أوروبيون أن يعرقله حلفاء الدولة العبرية داخل الاتحاد.
بيد أن تعليق الجزء التجاري من الاتفاقية فقط قد يكون أكثر قابلية للتطبيق، إذ لا يستلزم سوى دعم أغلبية مرجحة من دول التكتل، لكنه سيحتاج مع ذلك إلى تبديل جوهري في مواقف قوى مؤثرة مثل ألمانيا وإيطاليا.
ورغم معارضتها الحالية، ألمحت روما إلى إمكانية تشديد موقفها من إسرائيل بعد أن علقت اتفاقية دفاعية كانت تربط الطرفين. لكن مسؤولين ودبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي قالوا إن ثمة تردداً ملحوظاً بين الدول الأعضاء في الإقدام على خطوة كهذه، خصوصاً بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان.
مقترحات بديلة ومحاولات التفافية
في غضون ذلك، تتحرك جهود دبلوماسية لفرض تدابير أصغر حجماً بدلاً من التعليق الكامل. وجددت كل من فرنسا والسويد دعوة سابقة من بعض دول التكتل للنظر في وقف استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، والتي يصفها القانون الدولي بأنها غير شرعية.
أما المقترح المنفصل الهادف إلى فرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين "متطرفين" في الضفة الغربية، فظل حبيس الأدراج لعدة أشهر جراء عرقلة المجر له.
بيد أن الإطاحة مؤخراً برئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، المعروف بدعمه الشديد لإسرائيل، في الانتخابات المجرية، بعثت شيئاً من الأمل لدى بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي حيال إمكانية تطبيق هذه العقوبات قريباً.
ومنذ أشهر، بدأت مدريد في تبني لغة أكثر حدة في تعاملها مع ملف النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، متجاوزة بذلك التحفظ الأوروبي التقليدي.
ويقود بيدرو سانشيز، رئيس الوزراء الإسباني، هذه الجهود بالتناغم الكامل مع نظيره الإيرلندي، دافعاً باتجاه فتح مراجعة فورية وعاجلة لاتفاقية الشراكة التي تربط الاتحاد الأوروبي بإسرائيل.
ويتمسك البلدان في مذكرتهما المرفوعة إلى بروكسل بفقرة جوهرية في صلب المعاهدة، وهي أن الالتزام بصون حقوق الإنسان واحترام المبادئ الديمقراطية لا يمثل بنداً إضافياً في العلاقة، بل يشكل حجر الزاوية وعنصراً أساسياً لاستمراريتها وشرعيتها.
ويُعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لإسرائيل على الإطلاق، فحجم التبادل السنوي بين الطرفين يتجاوز عتبة 45 مليار يورو، وهو رقم يفرض حساباته الثقيلة على أي نقاش يدور حول قطع العلاقة التعاقدية أو تجميدها، لما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وسياسية لا يستهان بها.