عاجل

عاجل

الأصولية والتطرف سببهما الإسلام العالمي والإسلام الفرنسي هو الحل (مقابلة)

 محادثة
تقرأ الآن:

الأصولية والتطرف سببهما الإسلام العالمي والإسلام الفرنسي هو الحل (مقابلة)

مسجد باريس الكبير
@ Copyright :
ويكيميديا
حجم النص Aa Aa

ضجة كبيرة أحدثها التقرير الذي أعدّه معهد مونيتن والخبير الفرنسي من أصل تونسي حكيم القروي عن ظاهرة الأصولية والتطرف في فرنسا وكيفية محاربتها. وسبب الجدل مردّه بعض التوصيات التي جاءت في التقرير مثل ما يسمى الضريبة على الحلال وضرورة تعليم اللغة العربية في المدارس بدل المساجد درءا لخطر التطرف بحسب رأي الخبير القروي المقرب من ماكرون والذي عمل مستشارا لرئيس الوزراء الفرنسي الأسبق جان بيار رافاران.

وقد سبق التقرير انطلاقَ فعاليات على مستوى المحافظات الفرنسية بخصوص ثاني ديانة في فرنسا التي يوجد بها نحو 6 ملايين مسلم وقرابة 2500 مسجد بهدف تنظيم المستوى التمثيلي لمسلمي فرنسا وتمويل أماكن العبادة وتكوين الأئمة. للمزيد من إلقاء الضوء عما جاء في التقرير وعن الجالية المسلمة في فرنسا والتحديات التي تواجهها، التقت يورونيوز بأستاذة العلوم السياسية ريفا كاستوريانو المحاضرة في جامعة هارفارد الأمريكية فكان لنا معها الحوار التالي:

ما رأيكم في التوصيات التي جاءت في تقرير الخبير حكيم القروي والذي يقدم للرئيس ماكرون قريبا؟

أرى أن هذه التوصيات منطقية. علينا تنبيه الناس هنا لما يحدث على الإنترنت ولأهمية الخطاب ونوعية اللغة والسرد اللذين تستند إليهما هذه الشريحة الاجتماعية لأن لهما أهمية كبيرة لدى الشباب.

وهي مقاربة جيدة أن يقترح التقرير على مسلمي فرنسا خطابا بديلا عن ذلك الذي يعرفونه.

وسأكون سعيدة أكثر أن يتم البحث عن خطاب نابع من قيم الجمهورية والذي سيخلق نوعا من الانتماء لها. لأنني أشك في الانتماء الذي سيخلقه خطاب ديني بديل مختلف عن ذلك الموجود على الانترنت والذي يحظى بقدرة كبيرة على الإقناع.

وبالتالي، فأنا أرى أنه من المهم جدا أن نقدم خطابا له نفس القدرة على الإقناع لكن الفرق هو أن هذا الخطاب نابع من المجتمعات التي يعيشون فيها.

الرئيس السابق ساركوزي حاول تنظيم ما يعرف بإسلام فرنسا عبر إنشائه المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية ومحاولته تنظيم تمويل أماكن العبادة. ما الفرق بين ما فعله ساركوزي والمقاربة التي يعتمدها ماكرون؟

على أية حال، لن يكون هناك أبدا مؤسسة قادرة على تمثيل جميع مسلمي فرنسا. لا أعلم كم من المسلمين يقبلون أن تمثّلهم مؤسسة أنشأتها الدولة. هذا أمر لا يمكن تصوره. لكن الهيئة التي يوصي بإنشائها تقرير حكيم القروي ستكون مخوّلة للتفاوض بشأن مصالح شريحة معينة من الشعب وستكون لهذه الهيئة أيضا مقاربة بخصوص مسألة الانتماء.

وعليه فإن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية قد لا يكون مشروعا فاشلا لأنه واقع فعلا، لكن التأثير الواضح للدول التي ينحدر منها مسلمو فرنسا في مثل هذه المؤسسات هو خطأ كبير حتى لو أن تلك الدول لا تلعب نفس الدور. المغرب مثلا حسب الدراسات التي قمتُ بها يحدّد سياسة الاندماج في فرنسا. إذا هناك محاولات لما يمكن أن نسميه تأميم الإسلام أو إعطاءه طابعا وطنيا في تلك الدول لأن الخطر الذي يمثله هذا الخطاب الموجود على الانترنت هو الإسلام الشامل أو العالمي خطر عولمة الإسلام والأصولية. وتأميم الإسلام هنا يعني إعطاءه طابعا فرنسيا. قد نستعين بالدول التي ينحدر منها المسلمون هنا، لكن الهدف ينبغي أن يبقى دائما إضفاء الخصوصية الفرنسية على الإسلام هنا.

لكن هؤلاء الشباب لا يشعرون بأنهم ينتمون للبلدان التي جاء منها آباؤهم

تماما

هل تعتقدون حقا أن "سيطرة" تلك الدول على تلك المؤسسات الدينية هي المشكلة فعلا؟

إن تلك البلدان تلعب على الوتر السياسي لا على الهوية والانتماء. هي لا تمثل شيئا بالنسبة لهؤلاء الشباب.

لكن بالمقابل، نجد أن تلك البلدان تمثل نفسها حين يتعلق الأمر بالقدرة على التفاوض بشان مصالحها داخل البلدان التي تضم جاليات لها. إنها لعبة نفوذ بالنسبة لهم، نفوذ تلك الدول وليس الشباب.

وأنا أتفق معك أن هؤلاء الشباب لا يشعرون بالانتماء لبلدان آبائهم سواء المغرب أو تونس أو الجزائر أو حتى تركيا. ربما يختلف الأمر قليلا بالنسبة لتركيا. لأن هذا البلد يلعب على الوتر القومي والوطني بل أنها أيضا تلعب على وتر الإسلام العالمي ولهذا السبب نجد الشباب المسلم هنا يشعر بالانتماء لتركيا.. حتى أولئك المنحدرون من بلدان المغرب العربي.

يجب قطع الطريق حتى لا تُستخدم تلك الدول الجالية المهاجرة في لعبة السياسة.

ما هي برأيك تداعيات الاقتراحات التي جاءت في التقرير، على مفهوم العلمانية كما تنادي بها الدولة الفرنسية؟ ألا يمكن أن يُنظر لهذه المبادرة وكأنها انتهاك لمبدأ العلمانية بما أن الدولة في هذه الحالة تتدخل في تنظيم الشؤون الدينية لجالية ما؟

على أية حال، أعتقد أنه يجب إعادة تحديد مفهوم العلمانية والتفاوض بشأنها. لم نعد نعرف ما هي العلمانية. أُعطيت 10 آلاف تعريف منذ واقعة غطاء الرأس عام 1989. الدولة كانت دائما مسؤولة عن ممارسة المعتقدات من خلال المؤسسات الدينية التي تمثلها. وهذه المؤسسات كانت الوسيط بين الدولة والمجموعة التي تتبع دينا معينا. هذا لا يطعن في شرعية العلمانية. بالعكس، العلمانية هي التي كانت سببا في إنشاء تلك المؤسسات. إننا نلاحظ اليوم أن هناك من يشكك في العلمانية من خلال تعريفها وتطبيقها وحتى في مدى وجودها في الحياة العامة.

لنأخذ مثلا مسألة "الزواج للجميع" ( القانون الذي يسمح بالزواج المثلي). عندما خرجت المظاهرات ضد القانون باسم القيم الدينية. ألا ترين أن هذه الاحتجاجات تؤثر على العلمانية؟ شخصيا أعتقد أن لها تأثيرا. عموما، لم نعد نعرف إذا كانت العلمانية مسألة مؤسسات أم شيئا آخر.

لذلك أعتقد أن التقرير لا ينال من العلمانية. بالعكس هو يقترح تقديم دورات تدريبية للعاملين في قطاع التعليم لأنه لا وجود اليوم للعلمانية كما عرفناها في الماضي. وبالتالي أقول إنه يجب إعادة تعريف هذا المفهوم مع الأخذ بعين الاعتبار الشرائح الاجتماعية التي لها رؤية مختلفة للمجتمع الفرنسي حتى نصل إلى مزيج من المفاهيم الفرنسية التي تحتوي المسائل ذات البعد الديني.

إذا قدُّر للتوصيات التي جاءت في التقرير أن تُعتمد، كيف سيكون رد المسلمين في فرنسا عليها وكيف يمكن أن نجعلهم يتقبلونها؟

أعتقد أنه أمر يدعو للاطمئنان حينما نرى أن المشكلة التي تحدث عنها التقرير تخص شريحة صغيرة من المسلمين في فرنسا، لكن هذه النسبة تبقى مع ذلك تشكل خطرا لأن لها تأثيرا. لكن العديد ممن السباب المسلم في فرنسا لا تعنيهم تلك الممارسات أكانت في فرنسا أو في العالم. وبالتالي، فإن ما توصلت إليه الدراسة أمر في غاية الأهمية حتى لا يقع خلط. إن الخطر الذي سلَط التقرير الضوء عليه يخص فئة صغيرة من الجالية المسلمة.

من التوصيات التي جاءت في التقرير اقتراح ما يرسم بالضريبة على الحلال والدعوة لتعليم اللغة العربية في المدارس. ما رأيكم في هذه المسألة؟

أنا لا أرى ضيْرا في تعليم العربية في المدارس. لكن يجب أن يتم تعليمها باعتبارها لغة محادثة واتصال لا أن تدرّس كلغة خطاب ديني.

صحيح أنه يصعب التمييز بين هذا النوعين من الخطاب لكن تعلم العربية كلغة أدب قد يمنع ما نراه على الانترنت من خطاب مليء بالكراهية وبعيد كل البعد عن الأسلوب الأدبي.

لكن هذه الرسائل العنيفة التي تتحدثين عنها والموجودة على الانترنت ليست مكتوبة باللغة العربية.

وهذا سبب آخر .. كما ترين

هؤلاء الشباب في أغلبهم لا يتحدثون اللغة العربية.

إذا يجب عليهم أن يتعلموها. تعلم العربية سيكون مدعاة للفخر بالنسبة لهم. هذا أحسن لهم من أن يفتخروا بخلفيتهم الدينية.

هل تعتقدين أن التوصيات التي جاءت في التقرير كافية للحد من ظاهرة الأصولية في فرنسا؟

يجب علينا أن نبدأ من مكان ما. بل أظن أننا تأخرنا. لكن مجرد تشخيص الظاهرة هو بحد ذاته بداية. في الحقيقة هذا ليس وليد الساعة. لقد كتبت شخصيا عن الأسلوب في الخطاب واللبس الذي يحيط بمفهوم العلمانية. وغيري أيضا كتب عن هذه القضية.

إذا من المهم أن نشخص المرض حتى نتحرك.

هذا التقرير يقول لنا صراحة إن هناك خطرا محدقا ويجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة وتحديد ما يجب فعله. قد يكون هذا غير كاف، لكن الوقت فقط كفيل أن يقول لنا ذلك. مع ذلك، أرى أن التقرير محطة هامة.

ألا تعتقدين أن الحد من ظاهرة الأصولية والتطرف يكمن في إيجاد حلول اجتماعية واقتصادية لأن هذه الإيديولوجية منبعها التهميش والفقر. لِمَ لا تكون البداية أولا من هنا؟

لقد حاولوا منذ عدة سنوات. أنا أتفق معك أن هناك أسبابا اجتماعية واقتصادية وهناك تهميش أيضا. نحن الآن في مرحلة البحث عن الهوية لدى هؤلاء الشباب. السؤال هو كيف يمكن ربط عامل الهوية بمسألة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي. مفتاح الحل برأيي يكمن هنا.

لكن بنفس الوقت، أرى أن فرنسا قد وقعت في فخ السياسات التي انتهجتها والقيم التي تؤمن بها. لقد ركزوا كثيرا على مسألة المواطنة والمساواة وحقوق الإنسان حتى تحوّل الأمر إلى قضية هوية ومسألة اجتماعية وسياسية واقتصادية.

مرة أخرى أنا أتفق معك. المشكلة اجتماعية واقتصادية. سببها التهميش وفقدان القيم داخل المجتمع لأن المشكلة لا تتعلق فقط بأولئك الذين وُلدوا مسلمين. هناك أيضا 30% ممن اعتنقوا الإسلام انساقوا وراء التطرف والأصولية.

إذا هناك أزمة اجتماعية وشعور لدى هؤلاء بأنه لا مكان لهم داخل المجتمع. كل هذه العوامل لها تأثير. عندما استخدمت فرنسا الورقة الاقتصادية والاجتماعية لم تنجح في مسعاها. فهل يمكن أن تحقق شيئا إذا ركزت على مسألة الهوية؟

حينما نقول للشاب المسلم: لا، أنت لست مهمّشا. أنت جزء من هذا المجتمع.. ونحن نفعل كل ما بوسعنا لنوفر لك فرصة عمل.. وسنفعل كل ما نستطيع من أجل الضواحي الفقيرة.. لكن لنبدأ أولا بالشق المتعلق بالهوية. يجب أن يعرف الشاب أولا من هو ومن أين جاء.

لماذا برأيك يدور الحديث عن مفهوم ما يسمى "إسلام فرنسا" بدل التحدث عن "الإسلام في فرنسا". هل يتحدثون في بريطانيا مثلا عن إسلام انجلترا؟ نقطة أخرى: هنا في فرنسا لا يقولون "مسيحية فرنسا" رغم أن الأخيرة تسمى البنت الكبرى للكنيسة. ألا نخشى من أن تؤدي التوصيات التي جاءت في التقرير إلى مزيد من الانعزال لأنها قد ترى في تلك التوصيات نوعا من التدخل في شؤونها وفي ممارساتها الدينية؟

أنا لا أتفق معك. ألا نقول مثلا اليهودية الفرنسية؟ لماذا نتحدث عن يهود فرنسا؟ أليس لأن هناك صبغة فرنسية وأن يمارس اليهودية شعائره على الطريقة الفرنسية؟ نفس الشيء بالنسبة للمسلم، أن يمارس شعائره على الطريقة الفرنسية.

إن الأمر يتعلق بظاهرة الهجرة والاندماج والعيش في بلد مختلف من حيث الثقافة ومن حيث اللغة. ألا يتعلم المهاجرون الفرنسية حينما يأتون لهذا البلد؟ هناك طريقة عيش تفرض نفسها أكان ذلك من خلال قبولها أو التكيف معها.

لقد وصلنا الآن إلى مرحلة نتحدث فيها عن دين أقلية بالرغم من أن فرنسا ترفض مفهوم الٌأقليات.

هذه أقليات تعيش في فرنسا وفي ظل مؤسسات فرنسية أيضا. لذلك يجب احتواء هذه الجالية (المسلمة) بطريقة تجعلها تشعر أنها في بلدها داخل فرنسا.

أنا أعيش في الولايات المتحدة وأرى شبابا كثيرين ن أصل مغاربي. إنهم فرنسيون. هم فرنسيون مسلمون. لذلك، يجب أن يكون هناك إسلام فرنسي. وحين نقول "إسلام فرنسا" فإن هذا يوحي بأننا أضفنا شيئا غير أصلي أو كأننا تبنينا هؤلاء الشباب.

يجب أن نقبلهم باعتبارهم فرنسيين. يجب أن نطوّر إسلاما وطنيا مقابل مفهوم الإسلام العالمي.

لأن كل هذا التجييش الذي نراه على الانترنت يتعلق تحديدا بالإسلام العالمي.

أنا لا أعلم كيف ستتم ترجمة هذا التوصيات على المستوى القانوني والمؤسساتي. لكن ما أعرفه هو أنه من المهم أن نعمل على بلورة خطاب ديني بديل عن ذلك الذي يتبناه الإسلاميون والجهاديون طبعا يجب أن يحمل ذلك الخطاب البديل مفهوم الانتماء الى الجمهورية.

لقد تمكن الأصوليون من تبني خطاب قوي ومؤثر. فهل الدول عاجزة عن هذه المهمة؟