عاجل

عاجل

عن أي انتقال ديمقراطي نتحدث في الجزائر؟

 محادثة
المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز
حجم النص Aa Aa

بقلم: د.إسماعيل نقاز

باحث أكاديمي، علم الاجتماع السياسي

لقد أثبت الحراك الشعبي جدارته في إدارة الثورة السلمية ضد النظام السياسي الذي فقد صلاحيته الدستورية والقانونية، انتصر الشعب في عدة محطات حاسمة؛ انتصر عندما أرغم النظام على إفشال لعبته ونسفها برفض تمرير الخامسة، ثم انتصاره ثانية في رفض تمرير صفقة وخيار التمديد، الذي هو لعبة مبطنة عن تمديد النظام وفعله السياسي اللادستوري، واللاقانوني. ثم انتصر آخرا وليس أخيرا عندما طرح نائب قائد الأركان القايد صالح، من القاعدة العسكرية بولاية ورقلة، تفعيل المادة 102من الدستور، والتي تنص على شغور المنصب بمرض الرئيس مما يستدعي مهام المجلس الدستوري لقيادة المرحلة القادمة كما هي مفصلة في المادة نفسها.

إن انتصار الحراك الشعبي هو في إلجاء العسكر كقوة نافذة في النظام للتخلي عن النظام السابق الممثل بالرئيس، بعد أن حاول جاهدا من أجل تمرير العهدة الخامسة، ومن أجل تمرير ورقة التمديد بعد رفض الأولى، هاهو اليوم يقضي بضرورة تفعيل المادة 102 الذي هو إعلان رسمي عن التخلي عن الرئيس بوتفليقة، وربما حتى الجناح المقرب والمحسوب عليه، وعلى رأسه مستشاره السعيد بوتفليقة، في الوقت نفسه الذي يقدم رئيس المخابرات بشير طرقاق تقديم استقالته، كما صدرت بذلك عدة مصادر إخبارية، وهل هي إقالة أم استقالة؟ يبقى خيار الإقالة كخطوة تخلي المؤسسة العسكرية عن رموز بعينها.

لكن المشكلة التي يطرحها نائب قائد الأركان في تفعيل المادة 102، قد تجاوزها الحراك الشعبي في ثورته السلمية، كان من المفروض أن يكون ذلك على الأقل سنة 2014م، حيث لم يعد لها أي جدوى في اللحظة الراهنة بعد خطوات مهمة قامت بها الثورة الشعبية.

إن الحديث عن تفعيل هذه المادة يسبقه مادة أخرى هي جديرة بالتفعيل خاصة في هذه المرحلة التي يقودها الحراك الشعبي، ألا وهي المادة 07، والتي تنص بأن الشعب هو السيد، وهو الذي تنطلق منه السيادة السياسية. أمام هذا المعطى الجديد الذي حققه الشعب، فإن مبادرة نائب قائد الأركان، لم تلق أي قبول من طرف الشعب بمختلف أطيافه ونخبه وجمعياته وأحزابه؛ ذلك أنها تحمل عدة مؤشرات غير مقبولة لدى الميدان الثوري، حيث إنها صدرت متأخرة وفاقدة للجدوى الدستورية، ثم إنها تجعل من بقايا النظام السابق ورموزه على رأس المرحلة الانتقالية؛ وهذا أهم مطلب لن يتنازل عنه الحراك الشعبي، وأي تنازل هو ضرب لكل الجهود التي انتصر فيها الشعب سابقا.

لم تعد الثورة الشعبية تتحمل وجود هذا النظام الذي عاش في أتون 20سنة يقدم وعوده وإصلاحاته التي لم يجسد منها شيئا، سوى تصدير الغاشيوقراطية وتكرير التزوير، وخلق الانسداد السياسي والاجتماعي، وازدياد ملفات الفساد الفظيعة، بالإضافة إلى تنكب الاقتصاد عن كل مؤشر إيجابي مما جعل قوافل الشباب تهيم في البحر بحثا عن حياة كريمة، كل هذه المؤشرات أفقدت الشعب بمختلف أطيافه الثورية الثقة في هذا النظام، لذلك يستحيل أن يعطيه أي فرصة، وأن يغامر بمخرجاته السياسية التي حققها.

عندما نتحدث عن الانتقال الديمقراطي لابد أن نأخذ بعين الاعتبار المطلب الشعبي الذي أصبح الجميع يرتكزون عليه سواء بقايا النظام والأحزاب المحسوبة عليه، أو المعارضة التقليدية، ومادام هذا الثقل حاضرا بقوة الحراك الشعبي، فإن أي مبادرة لا تكون تحت إرادة شعبية فإنها مرفوضة تماما، بما فيها مبادرة نائب قائد الأركان.

مبادرة نائب قائد الأركان وصناعة الانهزام

قبل أن نتحدث عن مخرجات ومقترحات الانتقال الديمقراطي، لابد أن ألفت النظر حول مستجدات تزامنت عشية إصدار نائب قائد الأركان اقتراحه بتفعيل المادة 102، تتمثل هذه المستجدات في بعض النخب التي سارت خلف هذا القرار، سواء من المحسوبين على القيادات السابقة للنظام وأحزابها، أو من بعض النخب في الحراك الشعبي، وذلك بقبولهم للمقترح جاء بخلفية أن التغيير الديمقراطي لا يمكن إلا أن يتم بهذه الطريقة، مستندين في ذلك على سيكولوجية التفكير الذي ورثوه من مرحلة الغاشيوقراطية، وذلك باستحالة القضاء جذريا على الدولة العميقة، وبأن أي مخاطرة في هذا الاتجاه معناه الإنسداد الذي يؤدي إلى الحالة السورية.

بين معادلة النضال وترسيخ اليأس، يمكن أن نقرر مايلي:

-بماذا تفوتنا الدول التي تجاوزت منطق الحكم العسكري وإرادة التزوير.

-لماذا يصر البعض على استحالة مطالب الحراك الشعبي، لماذا يصرون على تجذر الدولة العميقة، والتخويف منها ونشر اليأس، هل هي شرطية بافلوف، أم هو دخول في لعبة لا أريكم إلا ما أرى التي رسخها في لاشعورهم.

-لماذا لا نسعى نحو الاستثناء، ونتحرر من الفشل بعد شهر من الصمود والسلمية، فما ضاع حق وراءه طالب، ما دام الوعي موجودا، والإرادة الشعبية تحركها القصدية السياسية الواعية، فلا خوف على حراكنا، وسيقود الشعب مرحلته الانتقالية.

-سئمنا من تزوير الانتخابات، سئمنا من سياسة الإقطاع والقبيلة والغنيمة، نتطلع لحكم ديمقراطي يحرسه الشعب، ويمارس فيه السياسة بشغف، بلا بهاجس التزوير.

-الشعب الذي صنع الاستثناء في ثورة نوفمبر التي لم يصدقها أحد، قادر على أن يقود ثورته السلمية هذه برعاية الانتقال الديمقراطي وحماية الدستور.

-لماذا نتحرك دائما بمنطق المؤامرة، والخوف من الأيادي الخارجية، هل نحن الاستثناء من الدول التي تجاوزت هذا المنطق التخويفي، واتجهت نحو إرادة الشعب؟

-لسنا رومانسيين ولا أفلاطونيين، إنما نرى نجاحات الانتقال الديمقراطي في تركيا وماليزيا واثيوبيا ورواندا أمامنا، فلم نعد حبيسو اليأس والفتور والعدوى العربية المخزية.

-الجيش رفقة السياسة المعلولة في تركيا حكموا عقودا طويلة من الزمن، من كان يظن أن تركيا ستتحرر من مأزق الديكتاتورية..نحو المعادلة الديمقراطية. لكن إرادة الشعب ووعيه السياسي قضى على الدولة العميقة، وقام بحماية ديمقراطيته، رغم المحاولات الانقلابية التي يفشلها دائما.

-بماذا تفوتنا تركيا، ألسنا شعبا يستحق أن يكون، لما انطلقت ثورة نوفمبر، كانت محل السخرية بين الأوساط، بمنطق كيف تواجه النملة فيلا، لكن الإرادة جمدت السخرية في عروق أصحابها.

مخرجات الانتقال الديمقراطي

المسار الدستوري في شغور منصب الرئيس عمل طبيعي يسير وفق سيرورة طبيعية، ويصح ذلك عندما تكون الممارسة السياسية مستقرة، برضا شعبي، لكن الشعب انتفض منذ شهر مطالبا برحيل النظام وعهدته الخامسة وتمديده، معناه أن تفعيل المادة 102، بهذه الطريقة ليس مطلبا شعبيا، فإدارة المرحلة الانتقالية من طرف من ثار عليهم الشعب جميعا، هذا يعتبر انقلاب والتفاف على المطالب الحقيقية للشعب، بقوة الجيش ومركزية النظام القديم ووجوهه..

الشعب انتفض وقاد ثورته نظرا للعفن السياسي والانسداد، ومجابهة الاستمرارية التي تفقد لكل المبررات الدستورية والسياسية، وتطبيقا للمادة 07، فالشعب هو السيد في مرحلة مابعد الانتفاضة الشعبية، ولا صوت إلا للشعب، وهنا معناه أن الانتقال الديمقراطي ينبغي أن يتم بإرادة شعبية، يتفق عليها الحراك، في تنظيم ممثليه من مختلف الاحزاب والتكنوقراط والشخصيات التي يرتضيها..

مهمة الجيش هي توفير الأمن ورعاية الانتقال الديمقراطي الذي يقوم به الحراك الشعبي، بحمايته وترسيخ سيادة الشعب لتجنب قرصنته من طرف الدولة العميقة، وقوة الظل..

مازلت أؤكد أن فراغ التمثيل الشعبي هو الذي جعل سقف المناورة لدى النظام عاليا، ويستثمر في وقت الاستمرارية بالمادة 102، وعندما يقود المرحلة الانتقالية فهو ينسف ثورة الشعب وانتفاضته الحقيقية منذ شهر.

إن خيار ما نرتضيه ونقترحه كخارطة طريق للانتقال الديمقراطي، أن يتم مأسسة صوت الشعب في لجنة وطنية تجمع المعارضة ومختلف الشخصيات الوطنية السياسية والتكنوقراط، من أجل إدارة المرحلة الانتقالية بتشكيل حكومة تصريف أعمال، وتحديد لجنة مستقلة لتعديل الدستور (أو على الأقل تعديل مواد الانتخاب في الدستور، وتأجيل التعديل الكلي بعد الرئيس المنتخب)، وتنظيم الإنتخابات، هذا كخيار فقط، رغم أن هناك خيارات كثيرة في كيفية الانتقال الديمقراطي ومواعيده الزمنية، المهم أن يكون كل ذلك من رحم الوعاء الشعبي، وأن تقف المؤسسة العسكرية كصمام أمان لسير المرحلة الانتقالية في أجواء سياسية واستقرار أمني يناسب خطر المرحلة وتحدياتها.

وعودا على بدء فإن مأسسة الندوة الوطنية، ينبغي أن يكون على قدر من المسؤولية الحضارية والسياسية، لقد طرحت قضية التوافق الشعبي في الميدان وبلاطوهات النقاش السياسي، وصدر فيها الاختلاف السياسي والتباين الايديولوجي، إضافة إلى التحفظ المتعدد لرموز الحراك انطلاقا من الخلفيات الايديولوجية والسياسية، كل ذلك يعد ظاهرة صحية في كل عملية انتقال ديمقراطي، لكن ينبغي تجاوز هذه النقاشات إلى إرادة حقيقية تتجاوز الايديولوجيا، وحتى النعرات السياسية، رفقة المعارضة التقليدية بكل أطيافها. فالفراغ السياسي الحالي يفرض بديلا حقيقيا يحمل مشروعا يمثل ثورة الشعب وإرادته في الانتقال الديمقراطي.

للكاتب

نهاية الغاشيوقراطية.. وفلسفة الثورة في الحراك الجزائري

شمس خراسان الكبرى... أوزبكستان

التفاعل العربي الخراساني في نماذج التاريخ الممتد

**بقلم: د.إسماعيل نقاز

**باحث أكاديمي، علم الاجتماع السياسي

المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن وجهة نظر يورونيوز.