عاجل
This content is not available in your region

مشروع قانون لإلغاء التعقيم القسري لذوي الاحتياجات الخاصة في إسبانيا

محادثة
.
.   -  
حقوق النشر
أ ب
حجم النص Aa Aa

كانت الشابّة الإسبانية كريستينا بارديرو في الثامنة عشرة من عمرها حينما اكتشف الأطباء أنها مصابة بمتلازمة أسبرغر، التي يتمّ تصنيفها ضمن اضطّرابات طيف التوحد عالي الأداء، ويعاني المصابون بالمتلازمة من ضعف في مهارات التواصل والتكيّف مع الحالات الشعوريّة المتباينة، ويتميّزون بإدائهم أنماطاً سلوكية غربية بعض الشيء واستخدام لغة غير نمطية في التواصل اللفظي مع الآخرين.

التشخيص الطبي بأن كريستينا مصابة بمتلازمة أسبرغر، وطّن لديها شعوراً بالارتياح، وهي التي أعياها البحث عن سبب الصعوبات النفسية والحركية التي تعاني منها، لكن والديها لم يشاطراها شعور الارتياح، بل على العكس تماماً، أحدث لديهم التشخيص صدمة قاسية لاعتقادهما أنّ مرض ابنتيهما صعب للغاية ولا شفاء منه.

وهمٌ وموافقةٌ وعقمٌ

الوالدان توهّما أن إصابة ابنتيهما بمتلازمة أسبرغر يعني أنّ لديها إعاقة بالغة ستلازمها مدى الحياة، وتلاشت ثقتهم بقدرة كريستينا على الاعتماد على نفسها في مواجهة خطوب الحياة، وقرروا أن من الأفضل لها الخضوع لعملية تعقيم، أي إجراء عملية جراحية لها لقطع أو حجب قناتي فالوب.

ووفقاً لقانون العقوبات في إسبانيا، فيمكن تعقيم الأشخاص الذين يؤكد الأطباء أنّهم "معاقون"، حتى وإن أعربوا عن رفضهم لعملية التعقيم، أما بالنسبة لكريستينا، فإنها أبدت موافقتها على إجراء تلك العملية، ربما لأنها شعرت بأن ذلك هو ما تريده عائلتها.

همّ دفين وحزنٌ مقيم وأمل حييّ

كريستينا بلغت من العمر 26 عاماً، وتدرس في كلية الإعلام، ويستطيع المرء أن يدرك أن نبرة صوتها يخالجها همّ دفين، وحزنٌ مقيم وأمل حييّ، تقول لـ"يورونيوز": "كان والداي ينظران إلى أسبرغر كمرض وليس كقدرة مختلفة".

وتضيف الشابّة الإسبانية: "لطالما أخبرني والداي بوجوب عدم ممارستي الجنس، تجنباً لحدوث الحمل، ذلك أنني، حسب اعتقادهما، عاجزة عن تحمل مسؤوليتي كأم؛ هذا إضافة إلى اعتقادهما بأنه كوني مصابة بأسبرغر فإن أطفالي سيولدون حاملين لهذا المرض أيضاً، وأمام إصرار أهلي على ترديد تحذيراتهم، فقد استقرت في ذهني فكرةٌ أنني لن أتمكن يوماً من إنجاب طفل".

"هذا لن يضرّ"

قررت كريستينا الخضوع لربط قناتي فالوب.. أخبرها الأطباء أن كل شيء سيتم بسهولة ويسر ودون ألم، تتذكر أنّهم قالوا لها "هذا لن يضرّ"، تقول: "إن تلك العبارة هي الأمر الوحيد الذي قاله الأطباء بشكل جلي، بشأن العملية"، مشيرة إلى أن الأطباء أنفسهم شجّعوها على المضي قدماً في القرار الذي اتّخذته.

بعد أن مرّت السنون، واكتسبت كريستينا المزيد من المعرفة والخبرات، وبعد أن تواصلت مع علماء النفس والمنظمات المدافعة عن حقوق المعاقين، أدركت أنها قادرة تماماً على أن تكون أمّاً..

تقول: "عندما كبرت، اكتشفت أن للمختصين الذين تواصل معهم رأياً مختلفاً تماماً، وأدركت حينها أنه قد تمّ تضليلي والتلاعب بي تلبية لرغبة والدي في حصولهم على راحة البال، هذا دون أي مراعاة لرغباتي وآمالي".

"تمييز لا شعوري"

قضية كريستينا، تكاد تكون قضية تخصّ الكثير من النساء ذوات الإعاقة واللواتي يعانين من ما تسميه النائب في حزب "سيودادانوس" (يمين الوسط)، سارة جيمينيز بـ"التمييز اللاشعوري".

وتوضح النائب جيمينيز لـ"يورونيوز": أن "ثمّة موقف تمييزي تجاه النساء المعوقات، وثمّة من يدفع باتجاه الاعتقاد بأن أولئك النسوة لن يكن بمقدور هنّ رعاية أطفالهنّ، فالمجتمع يهيئهنّ للاعتقاد أنهنّ غير قادرات على أن يكنّ أمهات، هذا بدلاً من أن يصار إلى التأكيد على أحقيتهنّ في الأمومة.. وأنّه سيقدّم لهنّ ما يلزم من دعم ومساندة حينما يصبحنّ أمّهات".

حالات استثنائية

وتتابع المشرّع جيمينيز في تصريح مكتوب وموجّه لـ"يورونيوز": إن "النظام (الحقوقي) يعمل في عكس الاتجاه"، لافتة إلى أن ثمّة مشكلة في القانون الجنائي الحالي في بلادها الذي يجرم التعقيم القسري للأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال توكيل قضائي.

وتوضح النائب أن هناك مادة تنص على أن عملية التعقيم لا يعاقب عليها "طالما أنّها حازت على موافقة هيئة قضائية في حالة الأشخاص (المعاقين) غير المؤهلين بشكل دائم على إعطاء الموافقة"، وثمّة حالات استثنائية في هذا الصدد من بينها ما يشكّل "خطورة على الحقوق القانونية التي يكفلها الدستور"، وعلى سبيل المثال، إن كان هناك تعارض محتمل بين حياة الشخص من جهة، وبين إنجابه من عدمه، من جهة أخرى.

سيناريوهان للتعقيم القسري

المستشار القانوني والمدافع عن حقوق المعاقين، إينيس دي أروز، يقول: "من الناحية العملية، يعني ذلك أنه إذا طلب ولي الأمر من القاضي تعقيم شخص معاق، ومنح القاضي موافقته على ذلك، فإنه يصار إلى إجراء العملية حتى ضد إرادة الشخص".

ويضف الخبير القانوني موضحاً أن التعقيم القسري يمكن أن يحدث في إطار سيناريوهين؛ الأول لا يتم فيه إخبار المريض بحقيقة ما يجري، والسيناريو الثاني أن يتم إخبار المريض بهدف العملية الطبية، ويتم إجراء العملية حتى لو رفض المريض إجراءها.

الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة

ثمّة من يؤكد وجود تعارض بين ما هو معمول به في إسبانيا بخصوص حقوق المعاقين، وبين ما تتضمنه الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والتي وافقت عليها الدولة الواقعة في أقصى جنوب غرب القارة الأوروبية في العام 2008.

وتكفل الاتفاقية الدولية حق جميع الأشخاص ذوي الإعاقة الذين هم في سن الزواج في التزوّج وتأسيس أسرة برضا معتزمي الزواج رضاً تاماً لا إكراه فيه، وكما تكفل الاعتراف بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في اتخاذ قرار حرر ومسؤول بشأن عدد الأطفال الذين يودّون إنجابهم وفترة التباعد بينهم.. وتنظيم الأسرى بما يتناسب مع سنّهم، وتوفير الوسائل الضرورية لتمكينهم من ممارسة هذه الحقوق، كما تكفل الاتفاقية حق الأشخاص ذوي الإعاقة، بما في ذلك الأطفال، في الحفاظ على خصوبتهم على قدم المساواة مع الآخرين.

"لسنا مختلفين"

تقول الخبيرة القانونية جيمينيز: "بدلاً من التعقيم، ما يحتاجه هؤلاء الناس هو تقديم الدعم والمساندة لهم وأن نجعلهم يدركون ماذا يعني أن يكون المرء أمّاً أو أباً وأن نمنحهم الوسائل اللازمة لأداء تلك المهمة".

ويشار إلى أن حزب "سيودادانوس" قدّم مؤخرًا مشروع قانون للبرلمان ومجلس الشيوخ بهدف إلغاء التعقيم القسري للأشخاص ذوي الإعاقة من القانون الجنائي، أما كريستينا باريدرو فأعلنت أنها ستقيم حفلة كبيرة حينما يتم المصادقة على مشروع القانون المذكور، وتختم حديثها لـ"يورونيوز" بالقول "إن على الناس أن يكونوا متأكدين أننا لسنا مختلفين عنهم".

لم تعد يورونيوز متاحة على Internet Explorer. لا يتمكن تحديث هذا المتصفح بواسطة Microsoft وأيضا لا يدعم آخر التطورات التقنية. نحن نشجعك على استخدام متصفح آخر ، مثل Edge أو Safari أو Google Chrome أو Mozilla Firefox