عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

ضحايا الثورة التونسية يطالبون الدولة باعتراف رسمي منذ 2011

Access to the comments محادثة
تظاهر محتجين في مدينة سيدي بوزيد. 2020/12/17
تظاهر محتجين في مدينة سيدي بوزيد. 2020/12/17   -   حقوق النشر  رياض الدريدي/أ ب
حجم النص Aa Aa

فقد مسلم قصدالله (31 عاما) ساقه خلال مواجهات مع الشرطة التونسية، بعيد سقوط نظام زين العابدين بن علي قبل عشر سنوات، ولا يزال يخوض حتى اليوم معركة الاعتراف به رسميا كضحية من ضحايا ثورة 2011، ما يمكن أن يؤمن له تعويضا معنويا وماديا.

ويقول مُسلم لوكالة فرانس برس: "ما لم تعترف الدولة بالشهداء والجرحى لا يمكن الحديث عن ثورة". واندلعت احتجاجات سلمية في تونس بعد أن أقدم الشاب محمد البوعزيزي في 17 كانون الأول/ديسمبر 2010، في محافظة سيدي بوزيد (وسط) على إحراق نفسه احتجاجا على الوضع المعيشي ومعاملة سيئة من الشرطة، وتوفى نتيجة ذلك.

وتصادم المحتجون مع قوات الأمن وسقط قتلى وجرحى خلال مواجهات في العاصمة وفي الولايات الداخلية. وتفيد إحصاءات رسمية نشرت في أيار/مايو 2012 عن مقتل 338 تونسيا وإصابة 2147 بجروح، خلال الانتفاضة الشعبية.

ومطلع تشرين الأول/أكتوبر 2019، نشرت "الهيئة العليا لحقوق الانسان والحريات الأساسية" على موقعها الإلكتروني قائمة، تتضمن أسماء 129 ضحية و634 مصابا.

وحال مسلم كحال المئات الآخرين من الذين احتجوا ضد مضايقات الشرطة خلال مظاهرات، انتهت بهروب الرئيس الأسبق الراحل في 14 كانون الثاني/يناير 2011.

ولا يزال هؤلاء الضحايا يحملون إلى اليوم آثار الرصاص في أجسادهم. وفي الذكرى العاشرة لسقوط نظام بن علي أو "ثورة الحرية والكرامة"، يجدد هؤلاء طلبهم نشر قائمة الجرحى والشهداء في الجريدة الرسمية، ليضمنوا اعترافا رسميا فعليا بهم وجبر ضرر مادي.

ويقول مسلم العاطل عن العمل، وهو ينظم مع عشرات من الجرحى الآخرين اعتصاما منذ أسبوعين، داخل فرع لمقر رئاسة الحكومة بالعاصمة، مخصص "للهيئة العامة للمقاومين وشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية": "قدمنا دماءنا لكتابة التاريخ، ويجب أن يُكتب التاريخ اليوم بتطبيق القانون وإصدار القائمة".

وأصيب مسلم برصاص في أحداث منطقة الوردانين (شرق) في 15 كانون الثاني/يناير 2011، ما تسبب في بتر ساقه، وقام بعمليات جراحية عدة، ويخشى أن تتدهور صحته ويلقى مصير أربعة جرحى توفوا منذ الثورة بسبب سوء المتابعة الصحية.

"من أجل العيش بكرامة"

ويضيف مسلم لوكالة فرانس برس: "رجال السلطة لا يريدون الاعتراف بالثورة، هذا عار! يستخسرون في أبناء تونس الاعتراف لهم بالثورة". ويتابع مسلم: "خسرت ساقي في أحداث الثورة ومستعد للتضحية بالأخرى من أجل البلاد"، مضيفا: "لن أندم ولو أقتل بالرصاص، ضحينا بأرواحنا من أجل العيش بكرامة، وهذا حق".

وأصيب رشاد العربي (30 عاما) في 13 كانون الثاني/يناير 2011، اخترقت صدره رصاصة في مواجهات مع قوات الأمن في منطقة مرناق (شرق)، وتسببت له بإعاقة لزم على إثرها كرسيا متحركا.

وتبرّر السلطات تأخر نشر القائمة بغياب الاستقرار السياسي، بالإضافة إلى ما تتطلبه الملفات من وقت طويل للتدقيق فيها. ويقول رئيس "الهيئة العامة للمقاومين وشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية" عبد الرزاق الكيلاني: "هناك تذبذب وعدم استقرار حكومي، وهناك ربما مخاوف على الأمن العام وربما غضب واحتجاج من طرف من لم يتم إدراج أسمائهم".

تعاقبت تسع حكومات على تونس منذ الثورة، وأمضت أطولها عمرا ثلاث سنوات في السلطة، وذلك نتيجة التجاذبات السياسية التي رافقت مسار الانتقال الديمقراطي، وخصوصا الصراع السياسي بين الكتل النيابية التي أفرزتها انتخابات 2019.

ويقول المعتصمون الذين بدأ بعضهم إضراب طعام، وقد وضعوا فرشا وأغطية في المكان، وألصقوا صور بعض من قتلوا خلال الثورة في مدخل مقر الهيئة الحكومية، إن الدولة منحتهم بطاقات للعلاج، لكن لم يتمكنوا من استخدامها، في الوقت ذاته، يثنون على وقوف منظمات من المجتمع المدني الى جانبهم.

"انتهاكات"

وتترأس المحامية لمياء الفرحاني منظمة "أوفياء"، التي تهتم بعائلات شهداء وجرحى الثورة، وقد فقدت شقيقها أنيس خلال أحداث الثورة.

وتقول لمياء لفرانس برس: "ليست هناك إرادة سياسية لضبط هذه القائمة، لأن في صدورها اعتراف ومسؤولية بارتكاب انتهاكات من المؤسسة الأمنية والعسكرية بقتل وجرح متظاهرين، تُضاف الى ذلك مسؤولية سياسية للحزب الحاكم قبل 2011، التجمع الدستوري الديموقراطي".

ولا يزال عدد من الشخصيات التي كانت مسؤولة داخل هذا الحزب، ناشطا ومتواجدا على الساحة السياسية اليوم. وينتقد العديد من التونسيين عودة ظهور رجال نظام بن علي في الحياة السياسية، بعضهم ينشط داخل أحزاب لها ثقل برلماني، والبعض الآخر تم تكليفه بمهام سياسية ووظائف عليا في الدولة، دون أن تكون هناك محاسبة أو مصالحة معهم لما اقترفوه في حق الشعب.

"ثورة لم تكتمل"

في 2014، تم إنشاء "هيئة الحقيقة والكرامة" بهدف تحقيق العدالة لضحايا الحكم المتسلط. وحوّلت الهيئة ملفات إلى القضاء بعد جلسات استماع وتحقيق طويلة في قضايا انتهاكات واغتيالات وقمع.

وبدأت محاكمات في 2018، بعضها حول قتل متظاهرين في 2011، لكن لم تصدر أحكام إلى اليوم. وحمل الرئيس التونسي قيس سعيّد لواء الدفاع عن حقوق ضحايا وجرحى الثورة عاليا، خلال الانتخابات الحملة الانتخابية الرئاسية في العام 2019.

وفاز سعيّد بالرئاسة بأكثر من 70 في المئة من الأصوات، وعبّر عن استعداده لتقديم اعتذار رسمي باسم الدولة لكل من لحقه انتهاك من السلطات منذ الاستقلال، لكنه وفي المقابل لم يتخذ قرارات لضمان حقوق هؤلاء.

ويحبس رشاد نفسا عميقا ويتنهد قبل أن يقول: "من أطلق علينا النار لم يُعاقب ولم يُحاسب بعد، لذلك لم تكتمل الثورة ولم تتحقق العدالة".