عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

17 تجربة تثقل الذاكرة.. التجارب النووية في الصحراء ملف لم يطو بين الجزائر وفرنسا

Access to the comments محادثة
بقلم:  يورونيوز مع أ ف ب
مدخل موقع اختبارات نووية فرنسي سابق في جبل تينا فيلا في عين عقرة في تمنراست، 2000 كيلومتر جنوب الجزائر العاصمة، 2010
مدخل موقع اختبارات نووية فرنسي سابق في جبل تينا فيلا في عين عقرة في تمنراست، 2000 كيلومتر جنوب الجزائر العاصمة، 2010   -   حقوق النشر  FAYEZ NURELDINE/AFP or licensors
حجم النص Aa Aa

بعد أكثر من ستين عاما على أول تجربة نووية في الجزائر التي بقيت تحت الاستعمار الفرنسي بين 1830 و1962، لا تزال مواقع دفن النفايات النووية وتطهيرها من المواد المشعة من المواضيع الرئيسية العالقة في قضايا الذاكرة بين الجزائر وباريس.

ويعود هذا الملف الى الضوء مع إقرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الثلاثاء خلال زيارته بابيتي بأن بلاده "مَدينة" لبولينيزيا الفرنسية بسبب التجارب النووية التي أُجريت بين 1966 و1996 في المحيط الهادئ.

وبمناسبة عيد الاستقلال في الخامس من تموز/يوليو، اتهم وزير المجاهدين السابق الطيب زيتوني فرنسا "برفض تسليم خرائط تحديد مناطق دفن النفايات المشعة ولا تطهيرها ولا حتى القيام بأدنى عمل إنساني لتعويض المتضررين رغم كون تلك التفجيرات أدلة دامغة على جرائم مقترفة ما زالت إشعاعاتها تؤثر على الإنسان والبيئة والمحيط".

وقال إن ملف تلك التفجيرات يبقى من "أكثر الملفات حساسية بين ملفات الذاكرة التي هي محل مشاورات ضمن اللجان المختصة وهو ما يتطلب إجراءات عملية مستعجلة وتسويته ومناقشته بكل موضوعية"، بحسب ما جاء في حوار أجرته معه وكالة الأنباء الجزائرية.

17 تجرية نووية فرنسية في الصحراء الجزائرية بين عامي 1960 و1966

أجرت فرنسا 17 تجربة نووية في الصحراء الجزائرية بين 13 شباط/فبراير 1960 و16 شباط/فبراير 1966 في موقعين هما رقان وإن كر.

أجريت التجارب الأربع الأولى فوق الأرض، إذ كانت الشحنة التفجيرية إما مثبتة على دعامة معدنية وإما موضوعة على الأرض.

وأُطلقت على السلسلة الأولى من التجارب التي أجريت في أوج حرب الاستقلال في الجزائر (1954-1962) تسمية "اليربوع"، وهي نفّذت على بعد نحو 50 كيلومترا من مدينة رقان الجزائرية التي كانت حينها أراضي فرنسية.

ورقان الواقعة على بعد نحو 1400 كلم من الجزائر العاصمة اختيرت في تموز/يوليو من العام 1957 لتكون مقرا لإقامة الموظفين المدنيين والعسكريين المشاركين في البرنامج النووي.

وتم بناء مدينة تحت الأرض عمل فيها ما بين ستة آلاف وسبعة آلاف شخص، بمحاذاة واد قريب وعلى بعد نحو 40 كيلومترا من منطقة حمودية التي ضمّت الحاسوب الذري الذي تم التحكّم بواسطته بالتجارب النووية، على بعد نحو 15 كيلومترا من القنبلة الذرية.

وأطلق على التجربة التي أجريت في 13 شباط/فبراير 1960 تسمية "اليربوع الأزرق"، وكانت أول قنبلة ذرية فرنسية من البلوتونيوم بقوة تتراوح ما بين 60 و70 كيلوطن (نحو أربعة أضعاف قوة قنبلة هيروشيما)، وهي جعلت من فرنسا رابعة قوة نووية في العالم.

واقتصرت قوة التجربتين التاليتين "اليربوع الأبيض" و"اليربوع الأحمر" على 5 كيلوطن، وقد أجريتا في العام نفسه في الأول من نيسان/أبريل والسابع والعشرين منه.

أما التجربة الرابعة التي أطلقت عليها تسمية "اليربوع الأخضر وكانت بدورها بقوة 5 كيلوطن فقد أجريت بشكل طارئ في 25 نيسان/أبريل 1961 في أجواء سياسية متوترة إثر "انقلاب الجنرالات"، وهي محاولة انقلابية قادها عسكريون فرنسيون في الجزائر ضد الرئيس الفرنسي شارل ديغول.

وأجريت التجارب الـ13 اللاحقة تحت الأرض داخل أنفاق حفرت في جبل في إن كر في منطقة الهقار في أقصى جنوب الجزائر، وذلك للحد من تبعثر الجزيئات الإشعاعية في الغلاف الجوي.

وبعد استقلال الجزائر في العام 1962، تواصلت التجارب الفرنسية في الصحراء بموجب اتفاق سري. وأجريت آخر تجربة نووية وقد سمّيت "العقيق"، وكانت بقوة 20 كيلوطن، في 16 شباط/فبراير 1966.

وفي الأول من أيار/مايو 1962، خلال التجربة "بيريل" تسرّبت جزيئات إشعاعية من موقع التفجير الذي لم يكن عزله محكما.

وفي العام 2012 أوردت وكالة الأنباء الجزائرية أن عدد الضحايا الجزائريين لهذه التجارب بلغ 30 ألفا على الأقل أصيبوا بأمراض ناجمة عن التعرّض لنشاط إشعاعي.

ويقول خبراء نوويون إن هذه التجارب الـ17 التي أجريت في الصحراء مكّنت التقنيين في مفوضية الطاقة الذرية والعسكريين من التوصل إلى قنبلة البلوتونيوم المجهّز بها الجيل الأول من مقاتلات "ميراج 4" التابعة لقوة الردع الفرنسية. يذكر كذلك أن إحدى عشرة تجربة منها جرت بعد توقيع اتفاقية إيفيان لعام 1962، التي أكدت استقلال الجزائر، لكن مادة منها سمحت لفرنسا باستخدام مواقع الصحراء حتى عام 1967.

وكشفت وثائق رفعت عنها السرية في عام 2013 عن تداعيات إشعاعية أكبر بكثير مما تم الإعلان عنه في البداية، امتدت من غرب إفريقيا إلى جنوب أوروبا.

وأشار رئيس جمعية "الغيث القادم" عبد الرحمان تومي إلى ان "الأمراض المرتبطة بالنشاط الإشعاعي تنتقل كالميراث جيلا بعد جيل".

وتابع رئيس الجمعية المهتمة بمساعدة ضحايا الإشعاعات النووية، "ما دامت المنطقة ملوثة، فإن الخطر سيستمر" في منطقة رقان.

وأضاف في تصريح لوكالة فرانس برس أن الإشعاعات تسببت بسرطانات وتشوهات خلقية وحالات إجهاض وعقم ضمن قائمة أمراض أخرى، فضلا عن التأثير الكارثي على البيئة.

خرائط طبوغرافية

وفي نيسان/أبريل، طرح رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق سعيد شنقريحة، على نظيره الفرنسي رئيس أركان الجيوش السابق فرانسوا لوكوانتر "إشكالية إعادة تأهيل موقعي رقان وإن إكر".

وكذلك المساعدة "بموافاتنا بالخرائط الطبوغرافية، لتمكيننا من تحديد مناطق دفن النفايات الملوثة، المشعة أو الكيماوية، غير المكتشفة لحد اليوم".

كما أكد العميد بوزيد بوفريوة انه "بعد مرور أكثر من ستين سنة على هذه التفجيرات، تصر فرنسا على إخفاء الخرائط التي من شأنها كشف أماكن مخلفاتها النووية، باعتبارها حقا من حقوق الدولة الجزائرية إلى جانب المماطلة في مناقشة قضية التعويضات التي تخص المتضررين الجزائريين" كما نقلت مجلة "الجيش" الصادرة عن وزارة الدفاع.

واستبعد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أي مفاوضات من اجل التعويض المالي، وقال "نحن نحترم موتانا كثيرا إلى درجة أن التعويض المالي سيكون بمثابة إهانة. فنحن لسنا شعبا متسولا، نحن شعب فخور يُبجّل شهداءه" كما جاء في حوار للمجلة الفرنسية "لوبوان".

وبحسب وزارة الجيوش الفرنسية التي يقع الملف ضمن اختصاصها، يعالج البلدان الموضوع "على أعلى مستوى" رسمي، وأكدت الوزارة لوكالة فرانس برس الأربعاء أنّ "فرنسا سلّمت السلطات الجزائرية ما بحوزتها من خرائط"، موضحة أن "تشخيصا إشعاعيا لمختلف مناطق التجارب في هذه المواقع أجري وأبلغت به السلطات الجزائرية".

في تقريره حول الاستعمار وحرب الجزائر (1954-1962)، أوصى المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا "بمواصلة العمل المشترك بخصوص مواقع التجارب النووية في الجزائر وتداعياتها إضافة إلى مسألة زرع الألغام على الحدود".

"العمل بشكل أسرع"

في كانون الثاني/ يناير 2010، سنّت فرنسا قانونًا يعرف بـ"قانون مورين" الذي ينص على تعويض "للأشخاص الذين يعانون من أمراض ناتجة عن التعرض للإشعاع من التجارب النووية التي أجريت في الصحراء الجزائرية وفي بولينيزيا بين عامي 1960 و1998".

لكن من بين 50 جزائريًا تمكنوا من تحضير ملف في غضون عشر سنوات، لم يتمكن سوى شخص واحد "من الحصول على التعويض" وهو جندي جزائري عمل في المواقع بعدما تم إغلاقها، وهو ما أعربت الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية (آيكان) عن أسفها له.

وبذلك لم يتم تعويض أي ضحية من سكان المنطقة.

وفي دراسة صدرت قبل عام بعنوان "تحت الرمال، النشاط الإشعاعي!"، حثت منظمات حملة "آيكان"، القوة الاستعمارية السابقة على تسليم القائمة الكاملة لمواقع دفن النفايات النووية إلى السلطات الجزائرية وتسهيل تنظيفها.

وكانت الفرصة سانحة عندما صادقت 122 دولة من الأمم المتحدة على معاهدة جديدة لحظر الأسلحة النووية في تموز/ يوليو 2017. وتم اعتماد مبدأ "الملوث يدفع" والاعتراف به رسميًا.

لكن فرنسا ليست من الدول الموقعة على هذه الاتفاقية "التي تتعارض مع النهج الواقعي والتقدمي لنزع السلاح النووي"، على حد تعبيرها. وقال العميد بوفريوة "يجب على فرنسا أن تتحمل مسؤولياتها التاريخية".

وذكر خبراء "آيكان فرنسا" أن "الناس ينتظرون منذ أكثر من 50 عامًا" و "هناك حاجة للعمل بشكل أسرع. نحن نواجه مشكلة صحية وبيئية كبيرة يجب السيطرة عليها في أسرع وقت ممكن".

أنشأت الجزائر في حزيران/يونيو الوكالة الوطنية لإعادة تأهيل المواقع القديمة للتجارب والتفجيرات النووية الفرنسية في الجنوب الجزائري، لكن عملها مرهون بالحصول على الخرائط.