يوزع برنامج الأغذية العالمي حصة غذائية لكل أسرة بمعدل مرة كل شهرين، تتكوّن من الطحين وزيت الطهي وكميات محدودة من الأرز والبقوليات. المشكلة لا تتعلق فقط بتوفر السلع، بل أيضًا بغياب السيولة النقدية لدى معظم الأسر.
من يزور أسواق قطاع غزة هذه الأيام، قد لا يبدو له للوهلة الأولى أن القطاع يعيش تحت الحصار. فللرفوف ممتلئة نسبيًا، البضائع معروضة، وحركة البيع لم تعد متوقفة بالكامل كما كانت في السابق. غير أن هذه الصورة، وفق سكان وخبراء اقتصاديين، تخفي واقعًا أكثر تعقيدًا: سوقٌ يعمل خارج قواعده الطبيعية، واقتصادٌ أُعيد تشكيله تحت قيود مشددة، وبروتوكول إنساني لم يُنفذ إلا جزئيًا منذ وقف إطلاق النار، ما ترك سكان غزة بين وفرة شكلية وحرمان فعلي من المواد الأساسية الحيوية.
فجوة بين التعهدات والتنفيذ
مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في تشرين الأول أكتوبر 2025، أُعلنت مرحلة "تخفيف إنساني" تشمل فتح المعابر، وتدفق المساعدات، وإدخال الوقود ومواد الإيواء، بهدف نقل القطاع من حافة المجاعة إلى حد أدنى من الاستقرار.
لكن الأرقام تشير إلى فجوة بين ما أُعلن وما تم تنفيذه حتى الآن. فبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، دخل القطاعَ منذ بدء الهدنة وحتى مطلع شباط فبراير 2026 نحوُ 29,603 شاحنات من أصل قرابة 69 ألف شاحنة كان يُفترض دخولها، أي بنسبة تقارب 43%. أما كمية الوقود التي وصلت فلم تتجاوز نسبتها 14% من الحصص المتفق عليها، وهو ما انعكس مباشرة على تشغيل المستشفيات، ومحطات المياه، والمخابز، والخدمات الأساسية. وحتى الآن، لم يصدر تعليق فوري من الجانب الإسرائيلي على هذه الأرقام.
وفي السياق ذاته، أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA إلى أن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية في القطاع تتطلب تدفقًا يوميًا ومستقرًا للوقود والمواد الغذائية والمستلزمات الطبية، مؤكدًا أن حجم ما يدخل من مساعدات لا يغطي الاحتياجات المتزايدة في ظل الدمار الواسع للبنية التحتية والخدمات.
كما تشير الجهات المحلية إلى أن الخيام والبيوت المتنقلة لم تدخل بالكميات المعلنة، ولم يُفعّل معبر رفح بآلية مستقرة، ما أبقى مئات آلاف النازحين في ظروف إيواء مؤقتة رغم مرور أشهر على إعلان الهدنة.
من المعابر إلى الخيام
هذا الخلل لا يظهر فقط في البيانات، بل في تفاصيل الحياة اليومية. تقول تهاني أبو عبيد، نازحة من شمال قطاع غزة، "ما زلنا نعيش في الخيام كما خرجنا من بيوتنا. لا نشعر بأن هناك هدنة حقيقية. المواد التي قيل إنها دخلت لا نراها في حياتنا اليومية".
وتعكس شهاداتٌ مشابهة شعورًا عامًا بأن أثر التهدئة لم يصل إلى المخيمات بالشكل المتوقع، في ظل استمرار نقص الخدمات الأساسية وغياب الاستقرار.
دور المساعدات الدولية
في ظل هذا الواقع، تعتمد شريحة واسعة من السكان على المساعدات الإنسانية. ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أنه يوزع حصة غذائية لكل أسرة بمعدل مرة كل شهرين، تتكوّن من الطحين وزيت الطهي وكميات محدودة من الأرز والبقوليات، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بتوفر السلع، بل أيضًا بغياب السيولة النقدية لدى معظم الأسر.
وتواصل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، الأونروا، تقديم خدمات الإيواء داخل المدارس ومراكز النزوح، إلى جانب توزيع مواد غذائية وأغطية ومستلزمات أساسية، بينما توفر اللجنة الدولية للصليب الأحمر دعمًا طبيًا وإمدادات طارئة لبعض المستشفيات. غير أن هذه الجهود تبقى، وفق عاملين في المجال الإنساني، دون مستوى الاحتياجات المتراكمة.
وفرة في غير مكانها
رغم عودة بعض السلع إلى الأسواق، إلا أن طبيعتها تثير تساؤلات عدّة. فبينما تتوفر المشروبات الغازية والمسلّيات وبعض السلع الكمالية، تعاني الأسواق نقصًا في موادّ أساسية مثل زيت الطهي، والسكر، والأرز، والبقوليات، والبيض، واللحوم الطازجة، وحليب الأطفال، إضافة إلى الأدوية ومواد البناء.
يقول سائد أبو الكاس، من مخيم البريج، "الموجود في السوق أغلبه كماليات. الأشياء الضرورية إما مفقودة أو أسعارها مرتفعة جدًا. حليب الأطفال مثلًا صعبٌ إيجاده، وإن وُجد لا يستطيع كثيرون شراءه".
ولا تقتصر المشكلة على طبيعة السلع، بل تمتد إلى القدرة الشرائية، في ظل فقدان معظم السكان مصادر دخلهم خلال الحرب. ووفق بيانات صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تجاوز معدل البطالة في قطاع غزة 75%، فيما سجلت بطالة الشباب نسبًا أعلى من ذلك، ما يجعل توفر السلع في حد ذاته غير كافٍ لضمان الوصول إليها.
ويقول أحمد عارف، من دير البلح، إن الأزمة تتجاوز الغذاء إلى الطاقة، مضيفا " الأسعار مازالت مرتفعة جدًا، وحتى لو توفرت بعض السلع فليس كل الناس قادرين على شرائها. الكهرباء غائبة والاعتماد على البطاريات أو مصادر الطاقة البديلة مكلف جدًا. الناس لا تعود إلى الحياة الطبيعية، بل تحاول البقاء"
اقتصاد مشوّه وتآكل في القوة الشرائية
يرى الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب أن ما يحدث في أسواق غزة لا يعكس تعافيًا اقتصاديًا حقيقيًا، بل إعادة تشكيل للسوق تحت القيود. ويقول إن حصر عمليات الاستيراد بعدد محدود من الشركات، تعمل غالبًا عبر وسطاء، أدى إلى تركّز السوق وارتفاع الأسعار، فيما سُمح بتدفق بعض المواد غير الأساسية مقابل استمرار نقص السلع الحيوية.
ويشير تحليل صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى أن الأسر في غزة أنفقت نحو 3.7 مليارات دولار على الاستهلاك النهائي بين تشرين الأول أكتوبر 2023 وتشرين الأول أكتوبر 2025، إلا أن القيمة الحقيقية لهذا الإنفاق، وفق أسعار ما قبل الحرب، لا تتجاوز 1.07 مليار دولار، ما يعني تآكلًا بنحو 71% في القوة الشرائية نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار.
ويرى خبراء أن أي انخفاض مؤقت في أسعار بعض السلع بعد إعلان وقف إطلاق النار يبقى هشًا، في ظل استمرار القيود على المعابر وتقنين إدخال البضائع، ما يجعل السوق عرضة لتقلبات حادة.
القطاع الصحي تحت الضغط
انعكس نقص الوقود والمستلزمات الطبية بوضوح على القطاع الصحي. وتشير بيانات رسمية في غزة إلى أن نسبة توفر الأدوية الأساسية تقلّ عن 40 بالمئة، فيما تعاني المستشفيات من نقص في المستهلكات الطبية والوقود اللازم لتشغيل المولّدات. كما تفيد مصادر طبية بأن أكثر من 60 بالمئة من أسرّة المستشفيات العامة مشغولة، في ظل صعوبة تحويل المرضى إلى القطاع الخاص بسبب التكلفة المرتفعة.
وتحذر جهات صحية من أن استمرار القيود على إدخال الوقود والمستلزمات يهدد بمزيد من التراجع في قدرة النظام الصحي، خاصة مع ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة وسوء التغذية بين الأطفال.
تُظهر المعطيات أن تدفق السلع بعد وقف إطلاق النار لم يترافق مع استعادة حقيقية لدورة الاقتصاد أو الخدمات الأساسية. وبين مخيّمات ما تزال تعاني نقص الإيواء الملائم، وأسواق تتوفر فيها سلعٌ غير أساسية مقابل ندرة في المواد الحيوية، يبقى أثر الترتيبات الإنسانية محدودًا على الحياة اليومية في القطاع، ما يعكس فجوة مستمرة بين الالتزامات المعلنة والواقع الميداني.