يشير المحلل السياسي نزار مقني، في حديثه لـ"يورونيوز"، إلى أن أي هجوم أمريكي على إيران لن يقتصر تأثيره على حدود البلدين، بل سيشكل، وفق وصفه، "زلزالًا استراتيجيًا" تمتد تداعياته من طهران إلى بغداد، ومن مضيق هرمز وصولًا إلى عواصم الخليج العربي.
مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، في ظل تهديدات يكررها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشن عملية عسكرية محتملة ضد إيران في حال عدم التوصل إلى اتفاق، يقابلها وعيد إيراني بالرد وتحويل أي هجوم إلى حرب إقليمية مفتوحة، تعود نبرة "الحسم العسكري" إلى واجهة الخطاب السياسي في واشنطن. ويتعزز هذا المنحى مع احتشاد قطع من الأسطول الأمريكي في مياه الخليج، في مؤشر لا يمكن فصله عن ارتفاع احتمالات الصدام وما يحمله من تهديد مباشر للأمن الإقليمي.
غير أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في الضربة ذاتها، بل في طبيعة الصدام إن وقع. فهذه المواجهة، وفق التقديرات، لن تبقى محصورة داخل الحدود الجغرافية لإيران، بل ستتجاوزها لتضع الدول العربية المجاورة، من الخليج إلى المشرق، أمام سيناريوهات شديدة التعقيد.
وفي هذا المناخ، تجد دول الإقليم نفسها مضطرة إلى الموازنة بين مصالحها الاستراتيجية، من جهة، والانحياز إلى قوة دولية كبرى كالولايات المتحدة، من جهة أخرى، مع الحذر من الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد تكون تداعياتها غير مسبوقة.
إيران كـ"عقدة جيواستراتيجية"
في قراءته للمشهد المتفجر، يطرح الباحث في الاستراتيجية هشام معتضد، في حديثه مع "يورونيوز"، فرضية "الصدمة الجيواستراتيجية" التي قد يخلفها أي هجوم أمريكي على إيران. ويرى أن إيران ليست هدفًا معزولًا، بل تشكّل "عقدة" مركزية في شبكة إقليمية معقدة.
ويؤكد معتضد أن جوهر الإشكال لا يكمن في القدرة الأمريكية على توجيه ضربات دقيقة داخل الأراضي الإيرانية، بل في إدارة تداعيات ما بعد الضربة. فإيران، وفق هذا التصور، فاعل شبكي يعتمد على منظومة من الوكلاء الإقليميين، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، فضلًا عن السيطرة أو التأثير في ممرات بحرية حيوية.
وبذلك، فإن أي هجوم أمريكي لن يُقاس بنتائج الضربة الأولى، بل بسلسلة التفاعلات التي ستُفعَّل بعدها مباشرة: ردود، وضربات موزعة، وضغوط أمنية واقتصادية تتجاوز الجغرافيا الإيرانية.
عسكريًا، يرى معتضد أن أي تصعيد محتمل سيحوّل المنطقة بأكملها إلى "مسرح عمليات مفتوح". ويستند هذا التقدير إلى طبيعة العقيدة العسكرية الإيرانية، التي لا تقوم على مواجهة مباشرة مع قوة متفوقة تقنيًا كالولايات المتحدة، ، بل على استراتيجية غير متكافئة تشمل ضربات صاروخية دقيقة، واستخدام واسع للطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، بالإضافة إلى تفعيل جبهات غير مباشرة عبر حلفاء إقليميين.
الخليج في قلب العاصفة
يطرح المحلل السياسي نزار مقني، في حواره مع "يورونيوز"، السؤال التالي: هل تمتلك الولايات المتحدة القدرة على توجيه ضربة عسكرية لإيران؟ من حيث المبدأ، يرى مقني أن الإجابة واضحة، فعندما تقرر واشنطن الانخراط في صراع، فإن تفوقها العسكري والتكنولوجي يمنحها القدرة على إشعال النار في أي جغرافيا تختارها.
غير أن السؤال الأهم، والأكثر خطورة، لا يتعلق بالقدرة ذاتها، بل بكلفة هذا الخيار: من سيدفع ثمن الغزو؟ ومن سيُجبر على تحمّل تداعياته، حتى لو لم يكن طرفًا مباشرًا في المعركة؟
ويشير المتحدث إلى أن أي هجوم أمريكي على إيران لن يبقى حبيس إطار ثنائي بين دولتين، بل سيتحوّل إلى "زلزال استراتيجي" تتدحرج ارتداداته من طهران إلى بغداد، ومن مضيق هرمز إلى عواصم الخليج العربي مثل الرياض وأبوظبي والدوحة. فالجغرافيا الإقليمية، بحسب تعبيره، "لا تسمح بالحياد الكامل"، وحتى الدول التي تحاول الابتعاد عن دائرة الصراع ستجد نفسها متأثرة بالارتدادات الأمنية والسياسية والاقتصادية لأي مواجهة عسكرية.
وبحسب مقني، ستكون دول الخليج أول من يشعر بارتدادات القلق من أي تصعيد أمريكي محتمل ضد إيران. فمضيق هرمز، كما يوضح، شريان حيوي للاقتصاد العالمي. وأي تصعيد عسكري فيه قد يحوّل المنطقة سريعًا إلى "ساحة فوضى"، تتأرجح فيها أسعار النفط، وتتوقف سلاسل التوريد، وترتفع تكاليف التأمين على الملاحة البحرية، بينما يبحث رأس المال عن ملاذات أكثر أمانًا بعيدًا عن المخاطر.
ويضيف مقني أن الغزو الأمريكي المحتمل سيصيب نموذج التنمية الخليجي في الصميم. فالمشاريع الاقتصادية الكبرى، والاستثمارات الأجنبية، وبرامج التنويع الاقتصادي، وعلى رأسها "رؤية السعودية 2030"، ستكون عرضة للاهتزاز إذا ما تحولت المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة.
ويتوقع أن يؤدي أي توتر في هرمز إلى موجة من التذبذب في أسواق النفط والطاقة، وربما إلى إعادة ترتيب الاستثمارات والشراكات الاقتصادية، ما يضع الحكومات الخليجية أمام تحدٍ مزدوج، بين حماية أمنها الداخلي والحفاظ على استقرار اقتصاداتها في مواجهة احتمالات الفوضى.
السعودية: "حياد محفوف بالمخاطر"
بالنسبة للسعودية، يرى نزار مقني أن المشهد يشبه "السير على حبل مشدود فوق برميل بارود". فحتى لو حاولت الرياض إعلان الحياد إزاء أي تصعيد أمريكي محتمل ضد إيران، فإن طهران قد لا تنظر إلى هذا الحياد "ببساطة أو براءة".
ويشير إلى أن إيران قد تفسر أي تسهيلات جوية، أو استخدام للقواعد، أو دعم لوجستي، على أنه انخراط غير مباشر في الصراع، ما سيدفعها إلى تفعيل ما يسميه "الردع المضاد"، عبر استهداف نقاط حساسة تبدأ من منشآت النفط والبنية التحتية للطاقة، وصولًا إلى ضغوط تجعل المملكة تشعر بأن الحرب باتت على مقربة منها.
ويحذر مقني من أن الخطر الأكبر لا يكمن في ضربة واحدة محتملة، بل في تحوّل الهجمات إلى نمط استهداف مستمر، يرفع كلفة الأمن تدريجيًا، ويستنزف الاستقرار الداخلي والاقتصادي، ويجعل إدارة المخاطر الأمنية مهمة يومية تتطلب موارد هائلة.
الإمارات: "الاقتصاد لا يحتمل رائحة البارود"
أما الإمارات، فيراها مقني من أوائل الدول التي ستواجه تبعات أي تصعيد محتمل ضد إيران. فهي تدرك، بحسب تعبيره، أن التجارة لا تحتمل رائحة البارود. إذ تُعد دبي "ميناء العالم" الذي يربط الشرق بالغرب، بينما تشكل أبوظبي مركزًا ماليًا واستثماريًا حيويًا.
ويشير إلى أن أي هجوم أمريكي محتمل على إيران يمثّل تهديدًا مباشرًا لما تعتبره الإمارات جوهر قوتها: الاقتصاد بوصفه أداة نفوذ واستقرار. فحتى أقل اضطراب في الملاحة البحرية أو ضربات انتقامية دقيقة قد يحوّل الصراع من قضية خارجية إلى مصدر قلق داخلي يومي، يؤثر على الاستثمارات والسياحة والموانئ وعمليات الشحن.
ولا تنتظر هذه القطاعات لا انتهاء الحرب لتتأثر، بل تواجه "ارتدادات فورية قد تعيد رسم خريطة الأعمال في الدولة، وتزيد من كلفة الأمن الاقتصادي واللوجستي"، وفق مقني.
قطر ومعادلة القاعدة والوساطة
أما قطر، فيصفها المحلل بأنها في موقع أكثر تعقيدًا. فهي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، قاعدة العديد، وفي الوقت نفسه حافظت تاريخيًا على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران. فهل تتحول الدوحة إلى "بوابة للحرب" بحكم وجود القاعدة، أم تنجح في لعب دور الوسيط و"غرفة التفاوض" كما فعلت في أزمات إقليمية سابقة؟
وينبه إلى أن الغاز القطري، المعتمد على استقرار الممرات البحرية، سيظل رهينة حرارة المشهد الإقليمي وتقلب المصالح الكبرى. فأي توتر في هذا الملف قد ينعكس فورًا على الأسواق العالمية للطاقة، ويضع قطر أمام معادلة دقيقة بين متطلبات الأمن الإقليمي وحماية مصالحها الاقتصادية.
العراق وسوريا: الجوار الأكثر هشاشة
يشير المتحدث إلى أن تداعيات أي مواجهة عسكرية كبرى مع إيران لن تتوزع بالتساوي بين دول الجوار.
فبينما قد يتلقى الخليج الصدمة على المستويين الاقتصادي والأمني، سيكون العراق الساحة الأكثر تضررًا بسبب تماسّه الجغرافي المباشر مع إيران، ووجود فصائل مسلحة مرتبطة بطهران، إلى جانب الوجود العسكري الأمريكي والانقسام السياسي الهش.
وتجعل هذه التركيبة العراق مرشحًا للعودة إلى دور "صندوق البريد للصواريخ"، حيث تتبادل الرسائل النارية فوق أراضيه، في سيناريو قد تجد فيه بغداد نفسها عاجزة عن ضبط إيقاع المواجهة أو حماية استقرارها السياسي والأمني، مع خطر الانزلاق إلى موجة استهداف متبادل تعيد إنتاج الفوضى وتضعف مؤسسات الدولة.
أما سوريا، فرغم تراجع الحضور الإيراني العلني وتقلص الدور الإقليمي لحزب الله بفعل التحولات الأخيرة، فقد لا تبقى ساحة الرد الرئيسية لطهران كما كانت في السابق. لكنها ستظل، في المقابل، فضاءً مفتوحًا لتصفية ما تبقى من الشبكات والرموز المرتبطة بالمرحلة الماضية، وميدانًا لإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي، "هذه المرة على أنقاض مرحلة انتهت، وليس على أرضية استقرار واضحة المعالم".
الإيرانيون يلتقطون أنفاسهم أمام شبح الحرب
على مدار الأسابيع الماضية، أصبح احتمال اندلاع صراع عسكري بين الولايات المتحدة وإيران واقعًا يثير القلق والخوف لدى الإيرانيين، سواء داخل البلاد أو بين الجاليات الإيرانية في الخارج. فقد ارتفعت حالة التوتر بشكل ملحوظ، وسط مخاوف من ضربة عسكرية وشيكة، دفعت المواطنين إلى اتخاذ إجراءات احترازية تحاكي سيناريوهات الطوارئ.
وفي شوارع طهران ومدن إيرانية أخرى، عمد السكان إلى إغلاق النوافذ وتخزين المواد الأساسية من طعام وماء وأدوية، فيما امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بنصائح حول النجاة من القصف والانفجارات، بدءًا من تجهيز حقيبة الطوارئ ووضع الوثائق المهمة فيها، وصولًا إلى تحديد أماكن آمنة للتحرك عند سماع الانفجارات أو الاحتماء بجانب الجدران.
ويعكس هذا القلق النفسي حالة الخوف التي يعيشها الإيرانيون بعد تجاربهم السابقة مع النزاعات العسكرية، لا سيما الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل الصيف الماضي، والتي تركت أثرًا نفسيًا واجتماعيًا واضحًا على المواطنين.
رغم استمرار الحياة اليومية في المدن الإيرانية بشكل نسبي، مع فتح المحلات وذهاب الناس إلى أعمالهم وأطفالهم إلى المدارس، إلا أن شعور الخوف والانتظار يخيّم على معظم السكان، سواء داخل البلاد أو في المهجر، حيث يعيش نحو أربعة ملايين إيراني في الخارج حالة من القلق على سلامة عائلاتهم، خشية تكرار انقطاع الإنترنت.
وتؤكد إيران امتلاكها مخزون كبير من الصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط، بقدرات تصل إلى إسرائيل والخليج، مع اعتماد متزايد على منشآت تحت الأرض وصواريخ متطورة، بينها صواريخ فرط صوتية يصعب اعتراضها.