أفادت الرئاسة اللبنانية بأن الرئيس جوزاف عون تلقى، الثلاثاء، اتصالًا هاتفيًا من الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، حيث اتفق الجانبان على ضرورة ضبط الحدود بين البلدين وتعزيز التنسيق والتشاور لمنع أي "تفلت أمني".
يشهد لبنان تصعيداً عسكرياً متسارعاً منذ مطلع آذار/مارس مع اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط ووصولها إلى الأراضي اللبنانية، في ظل غارات إسرائيلية متواصلة وتوغل قوات إسرائيلية في الجنوب، فيما يواصل حزب الله إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه إسرائيل. وقد أسفر التصعيد خلال أيام قليلة عن مئات القتلى وأكثر من ألف جريح، وتسبب أيضاً في تدهور الوضع الإنساني مع موجة نزوح واسعة شملت مئات الآلاف من السكان.
وفي موازاة التطورات الميدانية، برز توتر على الحدود اللبنانية السورية عقب تبادل الاتهامات بإطلاق النار، بينما دعت فرنسا حزب الله إلى نزع سلاحه وحذرت إسرائيل من أي تدخل بري واسع في لبنان.
موجة نزوح غير مسبوقة
دفعت الضربات الإسرائيلية المكثفة والإنذارات المتكررة بإخلاء مناطق عدة في لبنان أعداداً كبيرة من السكان إلى مغادرة منازلهم خلال فترة قصيرة. وأعلنت الحكومة اللبنانية الثلاثاء تسجيل نحو 759 ألفاً و300 نازح منذ الثاني من آذار/مارس، بينهم أكثر من 122 ألف شخص يقيمون في مراكز إيواء رسمية تشرف عليها السلطات.
وفي السياق نفسه، أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن حوالى 700 ألف شخص فروا من منازلهم خلال أكثر من أسبوع، بينهم نحو 100 ألف شخص نزحوا خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة وحدها.
وقالت ممثلة المفوضية في لبنان كارولينا ليندهولم بيلينغ إن حياة السكان انقلبت "رأساً على عقب على نطاق واسع"، مشيرة إلى أن عائلات في عشرات القرى اضطرت إلى مغادرة منازلها خلال دقائق بفعل الغارات والتحذيرات من القصف.
وذكرت المسؤولة الأممية أن كثيرين اضطروا إلى النزوح للمرة الثانية منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحزب الله عام 2024، موضحة أن عدداً كبيراً من العائلات توجه إلى بيروت وجبل لبنان والمناطق الشمالية وأجزاء من البقاع بحثاً عن الأمان.
خسائر بشرية وتحذيرات صحية
بالتزامن مع موجة النزوح الواسعة، ارتفعت حصيلة الغارات الإسرائيلية على لبنان إلى 486 قتيلاً وأكثر من 1313 جريحاً، وفق أرقام أعلنتها وزارة الصحة اللبنانية الاثنين.
كما أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن 84 من القتلى هم أطفال.
وحذرت منظمة الصحة العالمية من أن الاكتظاظ في مراكز الإيواء والأماكن التي تستضيف النازحين قد يؤدي إلى مخاطر صحية متزايدة، بينها تفشي الأمراض وانقطاع الخدمات الصحية الروتينية وتعطل الرعاية للأمراض المزمنة وحالات صحة الأم واضطرابات الصحة العقلية.
نزوح باتجاه سوريا
ومع اتساع النزاع، عبر عدد من النازحين الحدود باتجاه سوريا. ونقلت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عن السلطات السورية أن أكثر من 78 ألف سوري عادوا إلى بلدهم قادمين من لبنان منذ اندلاع الحرب الأخيرة، فيما عبر أيضاً أكثر من 7700 لبناني الحدود إلى سوريا.
وأكدت المفوضية أنها تعمل جاهدة لتعزيز مخزونها من المواد الأساسية على مستوى لبنان، إلا أن تمويل عملياتها في البلاد لا يتجاوز حالياً 14 بالمئة فقط.
وقالت ليندهولم بيلينغ إن "التضامن الدولي السريع والمستدام ضروري لتمكيننا من دعم الحكومة والسلطات اللبنانية في الاستجابة للاحتياجات المتزايدة"، محذرة من أن استمرار الحرب يؤدي إلى تفاقم معاناة مئات الآلاف من المدنيين ويزيد من زعزعة استقرار لبنان والمنطقة.
كما أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة تفعيل مساعداته الغذائية والنقدية لمساعدة النازحين في لبنان.
وقالت مديرة البرنامج في لبنان آن فالاند إن "الاحتياجات لا تزال تفوق قدرتنا على الاستجابة، ولذلك نحن في أمسّ الحاجة إلى تمويل ودعم إضافيين لمواصلة الحفاظ على نطاق الاستجابة".
توتر على الحدود اللبنانية السورية
على صعيد آخر، برزت تطورات أمنية على الحدود اللبنانية السورية بعد تبادل الاتهامات بإطلاق النار بين الطرفين.
وأفادت الرئاسة اللبنانية أن الرئيس جوزاف عون تلقى اتصالاً هاتفياً من الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع الثلاثاء، حيث اتفق الجانبان على ضرورة "ضبط الحدود" بين البلدين وتعزيز التنسيق والتشاور لمنع أي تفلت أمني.
من جهتها أعلنت الرئاسة السورية أن الشرع أكد دعمه لنظيره اللبناني في مسألة نزع سلاح حزب الله وتجنيب المنطقة تداعيات الصراع.
وجاء الاتصال بعد يوم من اتهام السلطات السورية حزب الله بإطلاق قذائف مدفعية باتجاه الأراضي السورية قرب بلدة سرغايا غرب دمشق.
وقال الجيش السوري في بيان نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية إنه رصد "وصول تعزيزات لحزب الله إلى الحدود السورية اللبنانية ونقوم بالمراقبة وتقييم الموقف"، مشيراً إلى أنه "لن يتساهل مع أي اعتداء يستهدف سوريا".
وكانت مناطق حدودية في شرق لبنان يسيطر عليها حزب الله قد شهدت خلال الأيام الأخيرة اشتباكات عنيفة مع قوات إسرائيلية نفذت عمليات إنزال.
مواقف دولية
على الصعيد الدولي، أعربت فرنسا الثلاثاء عشية اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي عن "بالغ قلقها" إزاء تصاعد أعمال العنف في لبنان.
ودعت باريس حزب الله إلى وضع حد لعملياته ونزع سلاحه، معتبرة أن قرار الحزب الانضمام إلى الهجمات الإيرانية على إسرائيل منذ الأول من آذار/مارس يمثل "خياراً غير مسؤول".
كما طالبت إسرائيل بالامتناع عن أي تدخل بري أو واسع وطويل الأمد في لبنان، مؤكدة ضرورة احترام وحدة أراضيه وسيادته.
وأعادت فرنسا أيضاً التأكيد على دعمها الكامل للسلطات اللبنانية، مشيدة بقرارها الصادر في الثاني من آذار/مارس بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله.
وكان من المقرر أن تستضيف باريس في الخامس من آذار/مارس مؤتمراً دولياً لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، قبل أن يتم إلغاؤه بسبب اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، علماً أن المؤتمر كان يهدف إلى جمع التمويل لتعزيز قدرات المؤسستين العسكريتين في ظل نقص الموارد المالية والتجهيزات.
واعتبرت هذه المساعدة أساسية في وقت كان الجيش اللبناني منخرطاً في عملية نزع سلاح حزب الله.
جذور التصعيد
امتدت الحرب في الشرق الأوسط إلى لبنان في الثاني من آذار/مارس، بعدما أطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل رداً على اغتيال المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي في اليوم الأول من الضربات الأميركية الإسرائيلية في 28 شباط/فبراير، بالاضافة الى الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، بحسب ما جاء في بيان الحزب الذي تبنى فيه اطلاق الصواريخ باتجاه اسرائيل.
ومنذ ذلك الحين، كثفت إسرائيل غاراتها الجوية على لبنان ونفذت عمليات توغل بري في جنوبه.
وفي ظل توسع النزاع، نشر الجيش السوري أيضاً تعزيزات عسكرية قرب الحدود مع لبنان "احترازياً لمنع نقل تداعيات الصراع إلى الأراضي السورية، ومكافحة التنظيمات العابرة للحدود ومنعها من استخدام الأراضي السورية"، وفق ما أعلن الشرع.
وذكر مصدر حكومي سوري أن التعزيزات شملت "مدرعات وجنوداً وقاذفات صواريخ وكتائب استطلاع لمراقبة الأنشطة الحدودية ومكافحة التهريب".
كما أعلن الجيش اللبناني الجمعة إصابة أحد جنوده جراء إطلاق نار "من الجانب السوري على مركز تابع للجيش اللبناني في منطقة القصر" في شرق لبنان، مشيراً إلى أنه رد بإطلاق النار من جانبه.