تفاقمت الأزمة المعيشية في ظل تهاوي توفر السلع، حيث التهبت الأسعار لتسجل زياداتٍ بلغت في حدها الأقصى 300% خلال شهرين فقط، مما وضع السكان أمام واقعٍ قاسٍ من الندرة والغلاء.
تتصاعد نذر كارثة إنسانية وشيكة في مدينة الأبيّض السودانية، حيث تقرع تقارير ميدانية وتحذيرات دولية ناقوس الخطر من هجوم واسع النطاق قد تشنه قوات الدعم السريع على المدينة.
ومع تضييق الحصار الذي أدى إلى انهيار المنظومات الخدمية وشح الغذاء والوقود، بات المجتمع الدولي أمام سباق مع الزمن لمنع تكرار سيناريو "الفظائع الجماعية" التي شهدتها مدينة الفاشر.
تحذيرات دولية من "لحظة حرجة"
دعت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأيرلندا وإيطاليا وهولندا والنرويج، في بيان مشترك صدر الثلاثاء، إلى وقف فوري لأعمال العنف التي تهدد مدينة الأبيّض، محذرة من وجود "مؤشرات موثوقة" على هجوم واسع النطاق قد يطال المدينة خلال الفترة المقبلة.
وأكدت الدول السبع أن الوضع في الأبيّض يمثل لحظة حرجة تتطلب تحركاً عاجلاً من المجتمع الدولي لتجنب وقوع كارثة إنسانية جديدة في السودان.
وفي السياق ذاته، شددت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر على ضرورة توفير الحماية للمدنيين، مشيرة إلى أن العالم تابع بقلق بالغ ما شهدته مدينة الفاشر من انتهاكات واسعة خلال عام 2025، مؤكدة أن "تكرار تلك الأحداث في الأبيّض أمر لا يمكن السماح بحدوثه".
وأضافت أن المدينة "تقف على شفا فظاعة إنسانية"، داعية جميع الأطراف إلى تجنب أي عمليات عسكرية قد تعرض حياة مئات الآلاف من المدنيين للخطر.
كما انضمت الولايات المتحدة إلى موجة التحذيرات الدولية، إذ كشف مسعد بولس، المستشار الخاص للرئيس الأمريكي، أن واشنطن أجرت اتصالات مباشرة مع قيادة قوات الدعم السريع لحثها على تجنب أي تصعيد عسكري قد يهدد المدنيين، معربة عن قلقها العميق إزاء التقارير التي تتحدث عن حشود وتحركات عسكرية حول المدينة.
وتُعد مدينة الأبيض نقطة استراتيجية تربط وسط السودان بغربه، فيما يجعل من السيطرة عليها أو الدفاع عنها هدفاً في تحديد مسار الحرب المستمرة بين الطرفين منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وتتعرض المدينة الخاضعة لسيطرة الجيش لقصف متواصل بالطائرات المسيّرة من قبل قوات الدعم السريع. ويأتي هذا التصعيد العسكري في عاصمة ولاية شمال كردفان بالتزامن مع حصار مشدد وتحشيدات عسكرية متواصلة تنفذها القوات ذاتها، في إطار محاولاتها لاقتحام المدينة.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن القصف المستمر أسفر عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين وتدمير واسع في البنية التحتية والمرافق الحيوية، حيث خرجت معظم محطات الوقود ومنشآت الطاقة عن الخدمة، وفي مقدمتها محطة الكهرباء التحويلية، مما أغرق المدينة في ظلام دامس.
وقد ألقى هذا الانقطاع الكامل بظلاله الكارثية على القطاع الصحي، مهدداً تشغيل المستشفيات، ومراكز الطوارئ، ووحدات غسيل الكلى، إلى جانب تسببّه في توقف إمدادات مياه الشرب، مما فاقم من حدة الأزمة الإنسانية للسكان.
وكانت المدينة قد تحولت إلى ملاذ آمن لمئات الآلاف من النازحين الفارين من ولايات غرب وجنوب كردفان وإقليم دارفور، لينضموا إلى سكان المدينة الأصليين الذين يتجاوز عددهم الـ 600 ألف نسمة.
مخاوف من الوصول إلى مرحلة المجاعة
على الصعيد الإنساني، تتزايد المؤشرات على تفاقم الأزمة المعيشية داخل الأبيّض، حيث حذر رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان، محمد رفعت، من أن المدينة قد تدخل مرحلة المجاعة خلال أسابيع قليلة إذا استمر الحصار الحالي ولم تُفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الغذائية والطبية بشكل عاجل.
وتفاقمت الأزمة المعيشية في ظل تهاوي توفر السلع، حيث التهبت الأسعار لتسجل زياداتٍ بلغت في حدها الأقصى 300% خلال شهرين فقط، مما وضع السكان أمام واقعٍ قاسٍ من الندرة والغلاء.
وتحذر وكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية من أن أزمة الجوع في السودان تتجه نحو التحول إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، إذا استمرت الحرب الحالية دون حلول سياسية أو استجابة إنسانية واسعة النطاق.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 19.5 مليون شخص، أي ما يعادل اثنين من كل خمسة سودانيين، يواجهون مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي خلال الفترة الممتدة بين فبراير/شباط ومايو/أيار 2026.
كما جرى تصنيف أكثر من خمسة ملايين شخص ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة الطوارئ، بينما يواجه نحو 14 مليون شخص المرحلة الثالثة، المعروفة بمرحلة الأزمة. في المقابل، يعيش نحو 135 ألف شخص بالفعل ظروف المرحلة الخامسة، وهي أعلى مستويات التصنيف وتشير إلى الكارثة أو المجاعة.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، قُتل عشرات الآلاف من الأشخاص، فيما أجبر ملايين السودانيين على النزوح داخل البلاد وخارجها، في أزمة تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ عالمياً من حيث حجم الاحتياجات الإنسانية.
كما أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن أكثر من 130 ألف شخص نزحوا من مدن إقليم كردفان وحده منذ تصاعد القتال في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في مؤشر على اتساع رقعة الأزمة وتفاقم تداعياتها الإنسانية.