عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

هل تسعى فرنسا للاستفادة من أزمة لبنان لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط؟

محادثة
جانب من مظاهرة مناهضة للحكومة اللبنانية بالقرب من ساحة البرلمان في بيروت، الثلاثاء 1 سبتمبر 2020
جانب من مظاهرة مناهضة للحكومة اللبنانية بالقرب من ساحة البرلمان في بيروت، الثلاثاء 1 سبتمبر 2020   -   حقوق النشر  Bilal Hussein/ The Associated Press
حجم النص Aa Aa

بين زيارته الأولى للبنان عقب انفجار مرفأ بيروت، وصولاً إلى زيارته الثانية بكل ما تخللها من لقاءات مع الزعماء السياسيين، ولقاء مع الأيقونة اللبنانية الفنانة فيروز، ومظاهرات غاضبة في الشارع، ما تزال تحركات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تجاه لبنان تثير الكثير من الزوابع السياسية وضجيج التكهنات ومساءلة النوايا.

ماكرون الذي يواجه ما يواجهه من أزمات في بلاده على المستوى الداخلي، بات يركز على توجيه الكثير من جهوده مؤخراً على ملفات السياسة الخارجية المتعلقة بالشرق الأوسط وخاصة لبنان، والصراع الجاري في شرق المتوسط.

وبين تفاؤل محلي بأن يكون الضغط الذي تمارسه فرنسا اليوم هو منقذ لبنان وأمله الأخير بإجراء إصلاح حقيقي وشامل، وبين غضب من جهة أخرى لما يراه البعض تعاوناً من قبل ماكرون مع طبقة سياسية ومالية فاسدة، إضافة إلى عجز وطني تام ولد حاجة للرضوخ لقوى دولية لها ما لها من مآرب وأجندات.

إلى أي مدى ماكرون حاسم في تحركاته تجاه لبنان؟

تتردد اليوم تساؤلات عن مدى جدية ماكرون بخططه وتهديداته وضغوطه تجاه لبنان، وهل من الممكن أن تكون في حقيقة الأمر مجرد محاولات تسويق ودعاية سياسية؟

حول هذا يقول الصحافي ميشال أبو نجم من بيروت ليورونيوز إن فرنسا تسعى لتحقيق مصالحها، واليوم تحاول أن تستفيد من الأزمة اللبنانية الحادة على المستويات السياسية والاقتصادية والمالية لمحاولة تعزيز نفوذها، ليس في لبنان فحسب وإنما في منطقة شرق المتوسط، وتستخدم فرنسا الوسائل المالية والاقتصادية والثقافية لتحقيق ذلك، ويضع بالتالي الرئيس ماكرون كل ثقله وجهوده في سبيل تحقيق اختراق في الوضع اللبناني، لا سيما أن فرنسا تتمتع بمجموعة من الخصائص والإمكانات والفرص تجعلها قادرة على تحقيق هذا الإنجاز.

وقارن أبو نجم بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا في هذا الصدد، فبرأيه لا يمكن للولايات المتحدة أن تجترح تسوية بسبب خصومتها مع إيران وبالتالي خصومتها مع حلفاء طهران في لبنان، على خلاف الحال مع فرنسا التي تملك هذه الإمكانية، فقد سبق وساهمت في رعاية تسوية بين الفرقاء الللبنانيين بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري وعشية تشكيل حكومة نجيب ميقاتي وإنجاز التحالف الرباعي في عام 2005.

وعليه، يرى أبو نجم، أن فرنسا تحاول اليوم تكرار هذا االشكل من الرعاية والتدخل، لتحقيق إنجاز على مستوى فرض الإصلاحات في لبنان بعد فشل وتعطل النظام السياسي، ما سوف يعد إنجازاً لها وسوف يمكنها من تعزيز أوراقها في لعبة النفوذ الاستراتيجي في شرق المتوسط، خاصة أنها تواجه ما تواجهه في ليبيا، وأنها دخلت في صراع، رفقة الاتحاد الأوروبي، مع تركيا بخصوص موارد الطاقة والغاز في المتوسط، وبالتالي فإن التحرك الفرنسي يأتي في هذا الاتجاه.

لكن أبو نجم يرى مفارقة بكون هذا التدخل الفرنسي، رغم ملابساته ودوافعه، هو لصالح لبنان بالنتيجة، فتحقيق الإصلاحات ومحاربة الفساد وإعادة النهوض بلبنان إن نجحت المساعي الفرنسية سوف يكون له بالغ الأثر الإيجابي على الشعب اللبناني .

بين مساعي فرنسا وخوف النخب السياسية على مصالحها

وعن أوراق القوة التي تملكها باريس بوجه القوى اللبنانية راسخة الحكم، وفي ظل شكوك حول رغبة وتوفر نية الحقيقية لدى الزعماء اللبنانيين للقيام بتغيير حقيقي يسحب بساط القوة من تحت أرجلهم، قال أبو نجم إن هناك بالفعل مجموعة من الفرص وعوامل القوة التي تتمتع بها فرنسا، أولها ما يتعلق بلبنان نفسه، فلبنان قد وصل إلى الحضيض على المستوى الاجتماعي والمالي والاقتصادي، الأزمة المالية كبيرة حتى قبل حصول كارثة انفجار المرفأ، وسعر صرف الدولار ارتفع إلى مستويات قياسية، وسط مقاومة القوى المالية والمصرفية العميقة للإصلاح لأنه سيحد من أرباحها ومن سيطرتها على الموارد المالية.

ومن جهة ثانية لم تتمكن النخب السياسية -قوى منظومة الطائف التي تحكم منذ مطلع التسعينيات- من إنجاز هذه الإصلاحات بغض النظر عن الأسباب، التي تتلخص بخشيتها على مواقعها ونفوذها والآلية الزبائنية التي تعتمدها لتعزيز موقعها في هذا النظام والتعاطي مع أنصارها وجمهورها.

أما على مستوى الخارج فرأى أبو نجم أن فرنسا تمتلك إرثاً بالتعامل مع لبنان ومشاكله وإيجاد الحلول له بعيداً عن الخصومة، وهو ما لا يتوفر للولايات المتحدة مثلاً، وأورد أبو نجم مثالاً على ذلك وهو تعامل الرئيس الفرنسي في لقاءاته مع القوى السياسية، حيث ابتعد عن المواجهة مع حزب الله وابتعد عن الطروحات الخلافية الأخرى كملف الانتخابات النيابية المبكرة، وحاول التركيز على ما يمكن أن يجمع ويفيد اللبنانيين على شتى انتماءاتهم.

هل الإصلاح ممكن دون التطرق لملفات خلافية مفصلية؟

لكن هل يمكن بالفعل التوصل إلى أي حل حقيقي وإصلاح شامل بالتغاضي عن هذه الطروحات والملفات التي تعتبر مفصلية للبعض في لبنان؟ هنا قال أبو نجم إن القوى السياسية الحاكمة باتت اليوم في مواجهة مع الجمهور الغاضب بسبب السياسات المالية والاقتصادية الخاطئة التي أدت إلى إفلاس لبنان كما العجز عن إنتاج الحلول، وبالتالي هذا يضع الطبقة السياسية في مرمى الاستهداف، خاصة وأن الإصلاحات لم تنجز حتى بعد 17 تشرين أول/ أكتوبر.

وأشار إلى وجود قوى سياسية في النظام تريد الإصلاح وتعزز من فرص نجاح فرنسا وترى في تدخلها فرصة، وأورد مثالاً رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي يراه أبو نجم "معنياً بإنجاز إصلاحات تؤدي إلى تحقيق إنجازات في عهده"، لكنه لم يتمكن من تحقيقها "بسبب مواقف بعض القوى الحاكمة".

لكن ماذا عن كون ميشال عون هو رئيس الجمهورية، رأس هرم السلطة، وبالتالي هو طرف سياسي متورط بطبيعة الحال بوصول لبنان إلى ما وصل إليه، هو جزء من المشكلة لا يمكن عزله عن سياق مشاكل لبنان ونظامه الذي يترأسه هو شخصياً؟

حول هذا أكد أبو نجم على وجهة نظره القائلة برغبة الرئيس اللبناني بالإصلاح، وقال إن "وجود خلاف داخل النظام نفسه بين فريقين، قد يوفر فرصاً لإنجاح هذه المبادرة الفرنسية". تحاول فرنسا إيجاد قواسم مشتركة لفرض الإصلاح، ورفض قوى معينة سوف يعيد الاضطراب إلى الشارع الذي لم يهدأ أساساً، وبقي على تظاهراته وانتفاضته رغم التفاوت في زخمها، وبناء عليه لا يمكن لهذه القوى البقاء في موقع القوة الآن.

سيف العقوبات

عن فرص فرض عقوبات بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي كما لم يستبعد ماكرون، قال أبو نجم إن العقوبات وسيلة سياسية تستخدم من دول ضد أنظمة معينة، فالعقوبات تلويح بالسيف أمام السياسيين اللبنانيين للقول بأن عدم التزامكم بالإصلاح المطلوب والمنشود سوف يعرضكم لعقوبات شتى، ورأى أبو نجم أن هذا الأمر يؤدي إلى فرصة ما، بغض النظر عن النتائج التي ستتمخض عنها، حيث لم يعد بالإمكان التهرب من الضغوط الدولية التي تشكل فرصة للبنان لإعادة النهوض بنفسه.

وأضاف أبو نجم: "أعتقد أن حتى الولايات المتحدة لا تريد موت لبنان، تريد فرض شروط على حزب الله، أو حصار حزب الله وإيران في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة قبل الانتخابات الأمريكية، لذلك هي معنية أيضاً. إن حققت هاتان الدولتان هذه الإصلاحات والأمور التي ينشدها الشعب اللبناني فهذا يوفر فرصة لهما لزيادة نفوذهما في هذا البلد وفي شرق المتوسط" .

حكومة في 15 يوماً

وحول ما إذا كانت مهلة 15 يوماً كافية لتشكيل حكومة جديدة، قال أبو نجم إنه في هذا الجو الدولي الضاغط تعتبر المهلة كافية، فالوضع ليس طبيعياً لتترك الحكومة أشهراً لتتشكل، هناك طرف اليوم لن ينتظر لبنان.

ومن جهة أخرى فإن حكومة تصريف الأعمال ستبقى هي الضالعة بالمسؤوليات حتى تشكيل حكومة جديدة، وهو ما لا يصب في مصالح عدد من القوى السياسية التي سبق وأن ناصبت العداء والخصومة أساساً لحكومة حسان دياب، وفقاً لأبو نجم.