عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

بين الحرمان من الخصوصية والعلاج الطبي.. قراءة الدماغ لم تعد مستحيلة

Access to the comments محادثة
بقلم:  Hafsa Alami Rahmouni
مدرس علم الأعصاب ومدير مختبر الأبحاث في المعهد العالي للملاحة الجوية والفضاء يقوم باختبار علم الأعصاب في محاكي قمرة القيادة، في 26 مارس 2018 في تولوز، جنوب فرنسا.
مدرس علم الأعصاب ومدير مختبر الأبحاث في المعهد العالي للملاحة الجوية والفضاء يقوم باختبار علم الأعصاب في محاكي قمرة القيادة، في 26 مارس 2018 في تولوز، جنوب فرنسا.   -   حقوق النشر  REMY GABALDA/AFP or licensors
حجم النص Aa Aa

عندما أصبح التصوير بالرنين المغناطيسي شائع الاستخدام في الثمانينيات، جعل الدماغ البشري مرئيا بطرق لم يسبق لها مثيل من قبل. ولأول مرة، تمكن الإنسان من رؤية أنسجة المخ الرخوة بتفاصيلها المعقدة التي كان من الممكن ملاحظتها في عمليات التشريح فقط.

وبحلول التسعينيات، بدأ الباحثون في قياس التغيرات في مناطق الدماغ باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي "الوظيفي" الذي يساعد على الكشف عن تدفق الدم ونشاط وبنية الدماغ.

وكانت هذه التقنية بمثابة هبة من السماء للعلماء المختصين في العمليات العقلية لأنها أتاحت تحديد أجزاء الدماغ التي تتفاعل مع الوجوه والكلام والروائح وغيرها. بمعنى آخر، كانت نافذة يمكن من خلالها رؤية الدماغ وهو يتفاعل مع العالم الخارجي.

واليوم، انضمت أدوات جديدة إلى الرنين المغناطيسي الوظيفي، وبعضها لا يزال قيد التطوير، من شأنها السماح بتتبع الحالات العقلية بدقة أكثر من أي وقت مضى.

يقوم الباحثون بتوليد كميات هائلة من معلومات مسح الدماغ، ويقومون بتحليل هذه المجموعات من "البيانات الضخمة" باستخدام أحدث التقنيات الحسابية، وخاصة التعلم الآلي، وهو حقل فرعي من الذكاء الاصطناعي متخصص في العثور على أنماط دقيقة يصعب اكتشافها.

قراءة الأفكار وحماية الخصوصية

في عام 2019، نجح عالم الأعصاب، رافائيل بوستي، في زرع الصور مباشرة في أدمغة الفئران والتحكم في سلوكها، ويقول إنها مسألة وقت حتى يتم تطبيقها على البشر.

وبحسب بوستي، يمكن استخدام التكنولوجيا العصبية، حيث تتفاعل الآلات بشكل مباشر مع الخلايا العصبية البشرية، لفهم وعلاج الأمراض المستعصية مثل مرض الزهايمر ومرض باركنسون، والمساعدة في تطوير الأطراف الصناعية وعلاج النطق.

لكن إذا استخدمت هذه التكنولوجيا بشكل غير مسؤول ومقنن، فقد تؤدي إلى تجاوزات مضرة بالأفراد من قبل الشركات والحكومات، بما في ذلك الشرطة التمييزية وانتهاكات الخصوصية، مما سيجعل أدمغتنا عرضة للمراقبة، كما هو الحال بالنسبة للاتصالات مثلا.

وعليه، تطالب مجموعة من علماء الأعصاب والمحامين ونشطاء حقوق الإنسان والمسؤولين والفلاسفة بحماية وفرض حظر على ما تبقى من خصوصية الفرد، ألا وهو الدماغ.

يدعو نشطاء مثل يوستي، الذي يدير مبادرة Neurorights في جامعة كولومبيا، إلى مجموعة من المبادئ التي تضمن ألا تقع حقوق المواطنين بين أيدي متلاعبين قد يستخدمون ذريعة "الفوائد الصحية المحتملة" لقراءة الأفكار.

تطبيقات التكنولوجيا العصبية

في مجالي العلوم والهندسة، التقنيات العصبية تعني ربط الجهاز العصبي بالأجهزة التقنية حيث تجرى أبحاث لاستكشاف وظائف الدماغ، وفك الشيفرة العصبية، والحصول على فهم أفضل للأمراض والاضطرابات.

وعادة ما يتم ترسيخ تقييم الفوائد للمخاطر في جميع التخصصات الطبية بهدف علاج المرضى والتقليل من تعريض حياتهم للخطر.

لكن تزايدت اليوم موجات من القلق والشكوك حول تطبيقات التكنولوجيا العصبية، لا سيما وأنها تجذب انتباه الجيوش والحكومات وشركات التكنولوجيا بشكل متزايد.

فعلى سبيل المثال، تعمل وزارة الدفاع الأمريكية على تطوير تقنية يمكن استخدامها لإدخال تعديلات على الذكريات. وتقود كل من الصين والولايات المتحدة الأبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي وعلم الأعصاب.

كما أحرزت شركات عالمية تقدما ملحوظا في هذه التكنولوجيا، إذ طورت شركة "كيرنيل" الأمريكية سماعة يمكنها تسجيل نشاط الدماغ في الوقت الفعلي. وقامت شركة فيسبوك بتمويل مشروع يسمح للمستخدمين بالتواصل بدون الحاجة للكلام عن طريق إنشاء واجهة بين الحاسوب والدماغ، إلا أن المشروع توقف هذا الصيف.

أما شركة "نورالينك"، فقد نشرت مقطع فيديو في أبريل 2021 يظهِر قردا يلعب لعبة بفضل الشريحة التي زرعتها الشركة في دماغه، وتهدف هذه التجربة إلى زراعة الدماغ لدى الإنسان في المستقبل.

الحاجة الطبية

تمثل الأمراض والاضطرابات العصبية المنتشرة عبئا اجتماعيا واقتصاديا كبيرا على المجتمعات المسنة في أوروبا، إذ تأثر أكثر من 179 مليون شخص باضطرابات وأمراض الدماغ في عام 2010 في أوروبا مع تكاليف سنوية تقدر بحوالي 800 مليار يورو لأن علاج أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان مكلفة جدا.

ويتداخل تعريف مصطلح "التقنيات العصبية" مع "المستحضرات الكهربائية" و"طب الإلكترونيات الحيوية" إذ تجتمع جميعها في تفاعلها مع الجهاز العصبي لقراءة الشفرة العصبية أو تعديلها أو استبدالها لأغراض العلاج أو إعادة التأهيل.

في الماضي، أنشأ البحث التعاوني بين الطب والهندسة غرسات طبية نشطة وقدم المساعدة للأفراد، مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب التي انتشرت منذ 60 عاما، وغرسة القوقعة الصناعية التي تعيد السمع لأكثر من 320 ألف مريض.

وغالبا ما يتم ربط التطبيقات السريرية مع التقنيات العصبية تحت مظلة "التعديل العصبي"، وتغطي هذه العلاجات اضطرابات الحركة في مرض باركنسون، وقمع نوبات الصرع، والاضطرابات النفسية الحادة مثل الاكتئاب واضطراب الوسواس القهري، والصداع العنقودي والألم المزمن.

وتم تطوير الانغراس في الدماغ على مدار العقد الماضي لتقليل الآثار الجانبية المحتملة، مثل تحفيز الحبل الشوكي، المعروف باسم تحفيز العمود الظهري، والتحفيز العميق للدماغ وتحفيز العصب المبهم. وتعتبر هذه التطبيقات السريرية الثلاثة الأكثر انتشارا في مجال التعديل العصبي، حتى الآن.

مخاوف

هناك بعض الأمثلة المخيفة لاستخدام التكنولوجيا العصبية، فقد استخدم باحثون عمليات مسح الدماغ للتنبؤ باحتمالية عودة المجرمين للإجرام، وراقب أرباب العمل في الصين الموجات الدماغية للموظفين لقراءة مشاعرهم. كما تمكن العلماء أيضا من البحث بشكل لا شعوري عن المعلومات الشخصية باستخدام أجهزة المستهلك.

لا يمكن القول إن التكنولوجيا العصبية تستطيع اليوم فك شفرة الأفكار والعواطف، لكن مع الذكاء الاصطناعي، يمكن لأنظمة التعلم الآلي المتطورة أن تربط بين نشاط الدماغ والظروف الخارجية.

يقول مارسيلو لينسا، خبير أخلاقيات علم الأحياء في جامعة زيوريخ: "يكفي أن يكون لديك ذكاء اصطناعي قوي بما يكفي لتحديد الأنماط وإنشاء نقاط مترابطة بين أنماط معينة من البيانات والحالات العقلية".

وهذا الأمر صحيح، فقد تمكن الباحثون من استخدام نظام التعلم الآلي لاستنتاج أرقام بطاقات الائتمان اعتمادا على نشاط دماغ الشخص.

قد يرى البعض أن هذه الأبحاث والدراسات تشكل ثورة علمية لها أهداف طبية وعلاجية، إلا أنه قد يكون لها تأثير عملي في مجالات أخرى مثل التسويق للمنتجات وواجهات الكمبيوتر والعدالة الجنائية والتعدي على الخصوصية.