واصلت إسرائيل تصعيدها مستهدفةً مناطق في البقاع الغربي بعد إنذارات بالإخلاء في سحمر ومشغرة، وفي موازاة ذلك ادّعى القضاء اللبناني على متهمين بالتواصل مع الموساد وخطف النقيب المتقاعد أحمد شكر، في قضية أعادت إلى الواجهة ملف الطيار الإسرائيلي رون آراد المفقود منذ عام 1986.
تواصل التصعيد الإسرائيلي في لبنان مع توجيه إنذارات إخلاء عاجلة إلى قرى في البقاع الغربي، قبل أن تتبعها غارات جوية أدت إلى أضرار في منشآت مدنية، ويأتي ذلك في وقت برز فيه تطور قضائي لافت في قضية خطف ضابط لبناني متقاعد، وفق ما أفادت وكالة "فرانس برس"، بالتوازي مع سجال سياسي داخلي أثارته تصريحات لوزير الخارجية اللبناني تبرر الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.
إنذارات إخلاء في سحمر ومشغرة
أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات عاجلة شملت قريتي سحمر ومشغرة في البقاع الغربي، أعلن فيها أنه يعتزم، خلال فترة زمنية قريبة، تنفيذ هجمات تستهدف بنى تحتية عسكرية قال إنها تابعة لحزب الله، وذلك بذريعة التعامل مع ما وصفه بمحاولات محظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة.
ودعا السكان القاطنين في المباني المحددة وفق الخرائط المرفقة، إضافة إلى المباني المجاورة لها، إلى إخلائها فورا والابتعاد عنها لمسافة لا تقل عن 300 متر، معتبرا أنهم يتواجدون قرب مبان يستخدمها حزب الله، ومحذرا من أن البقاء في محيطها يعرضهم للخطر.
وعقب صدور هذه الانذارات، سُجل نزوح عدد من أهالي سحمر ومشغرة إلى القرى المجاورة.
غارات لاحقة وتسجيل أضرار
بعد الانذارات بوقت قصير، نفذ الجيش الإسرائيلي عدة غارات على المناطق التي كانت مشمولة بالتحذير، حيث تم تسجيل أضرار كبيرة في الأبنية المستهدفة ومحيطها، كما سجلت أضرار في مدرسة سحمر الرسمية.
وفي تطور ميداني آخر، أفادت وسائل إعلام لبنانية صباح اليوم بأن محلقة إسرائيلية ألقت قنبلة صوتية في حي المسارب في بلدة العديسة، وذلك أثناء قيام الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل بتفكيك عبوات كان الجيش الإسرائيلي قد زرعها داخل منزلين فجرا.
تطور قضائي في ملف احمد شكر
قضائيا، أفاد مصدر قضائي وكالة "فرانس برس" بأن القضاء اللبناني ادعى على أربعة أشخاص بجرم التواصل مع جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية الموساد وخطف النقيب المتقاعد في جهاز الأمن العام أحمد شكر.
وبحسب المصدر، شمل الادعاء موقوفا لبنانيا وثلاثة أشخاص متوارين عن الأنظار، بينهم امرأة لبنانية، وشخص يحمل الجنسيتين اللبنانية والفرنسية، وآخر يحمل الجنسيتين السورية والسويدية، وذلك بتهم العمل لمصلحة الموساد لقاء مبالغ مالية وتنفيذ عملية الخطف بتاريخ 17 كانون الأول/ديسمبر 2025.
ولا تزال السلطات اللبنانية تحقق في القضية منذ كانون الأول/ديسمبر، وسط معطيات ترجح أن شكر استدرج من بلدته النبي شيت إلى منطقة قريبة من زحلة، حيث فقد أثره، مع احتمال نقله إلى داخل إسرائيل بعد اختطافه.
وفي هذا السياق، أعيد تداول معطيات قديمة تتعلق بكون شقيق أحمد شكر، حسن شكر، كان من ضمن المجموعة التي شاركت في أسر الطيار الإسرائيلي رون آراد عقب سقوط طائرته في جنوب لبنان عام 1986، وهي قضية لا تزال تشكل ملفا شديد الحساسية في إسرائيل منذ عقود.
وكانت عائلة النقيب المتقاعد قد أكدت في وقت سابق أن المعطيات المتوافرة لديها تشير، بدرجة شبه مؤكدة، إلى أن إسرائيل هي من اعتقلته من داخل الأراضي اللبنانية، مطالبة بكشف مصيره ومحاسبة المسؤولين عن خطفه.
رواية العائلة
وفي مقابلة مع صحيفة "الشرق الأوسط" قبل أسبوعين روى شقيق النقيب المتقاعد عبد السلام شكر تفاصيل الساعات والاسابيع التي سبقت اختفاء أحمد، مشيرا إلى أن القضية بدأت بتواصل مغترب لبناني مقيم في كينشاسا معه لاستئجار شقة في الشويفات، قبل أن يتطور الأمر إلى طلب مساعدة في شراء قطعة أرض في زحلة لممول افريقي تبيّن لاحقا أن اسمه وهمي.
وأوضح أن المغترب أصر على تحديد موعد المعاينة في وقت متأخر من بعد الظهر يوم اختفاء أحمد، ثم اعتذر عن الحضور بذريعة كسر قدمه، طالبا من شقيقه مرافقة الممول بمفرده، ليفقد أثره منذ تلك اللحظة.
وأضاف أن معلومات العائلة، استنادا إلى تسريبات امنية وقضائية، تفيد بأن الخاطفين استأجروا منزلا في زحلة وأزالوا كل بصماتهم منه، فيما رصدت كاميرات المراقبة تحرك السيارة باتجاه بلدة الصويرة في البقاع الغربي حيث انقطعت الادلة.
وشدد عبد السلام شكر على أن شقيقه خدم في السلك العسكري منذ عام 1979 ولم يرتبط يوما بأي حزب سياسي، معتبرا أن مفتاح لغز الاختفاء لدى المغترب المقيم في كينشاسا، داعيا الدولة اللبنانية إلى ملاحقته عبر الانتربول لكشف مصير أحمد.
جدل سياسي بعد تصريحات وزير الخارجية
سياسيا، فجرت تصريحات أدلى بها وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي موجة غضب وجدلا واسعا في لبنان، بعدما اعتبر أن لإسرائيل الحق في مواصلة تصعيدها على الأراضي اللبنانية في حال لم يتم حصر سلاح حزب الله بشكل كامل، مستندا إلى إعلان وقف إطلاق النار الذي وافقت عليه الحكومة.
التصريحات قوبلت بحالة صدمة واستنكار واسعة على المنصات الرقمية وفي الأوساط السياسية، حيث رأى عدد كبير من اللبنانيين فيها تبريرا مباشرا للقصف الإسرائيلي على لبنان، في حين اعتبر آخرون أن رجي كان يعبر عن التزامات رسمية ناتجة عن الاتفاق الموقع، لا عن موقف سياسي شخصي.
وفي هذا السياق، صدر بيان عن وزير العمل محمد حيدر، أكد فيه أنه تابع "بأسف شديد" التصريحات الصادرة عن وزير الخارجية، معتبرا أنها "تحمل إيحاءات خطيرة تُفهم على أنها تبرير للاعتداءات الإسرائيلية"، ومشددا على أنها لا تعبر عن سياسة الحكومة اللبنانية ولا يمكن القبول بها تحت أي ظرف.
وأضاف حيدر أن هذه المواقف تمس جوهر السيادة والوحدة الوطنية ولا تحمي مصالح اللبنانيين، مشيرا إلى أنه كان يحرص دائما، من موقعه الوزاري، على الالتزام بالسياسة الحكومية الجامعة، ومتوقعا من وزير الخارجية أن يكون الأكثر التزاما بالتعبير عنها، لا عن مواقف شخصية.