حذّرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من أن الحرب في السودان باتت ترتكز على اقتصاد يغذّي الصراع ويطيل أمده، في ظل سيطرة أطراف النزاع على الموارد الطبيعية وطرق التجارة، واستغلالها لتمويل العمليات العسكرية على حساب المدنيين وسبل عيشهم.
قال المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، وفق التقرير الصادر الأربعاء، إن طرفي النزاع أحكما قبضتهما على موارد البلاد، ما أتاح نشوء "اقتصاد حرب" ساهم في استمرار الأزمة لأكثر من ثلاث سنوات.
وأضاف أن الأطراف المتحاربة تموّل عملياتها العسكرية عبر السيطرة على الأراضي وطرق التجارة والموارد الطبيعية واستغلالها، الأمر الذي يعزز دينامية صراع "بات يتغذى على نفسه".
وأكد تورك أن الثروة الطبيعية الهائلة التي يزخر بها السودان "يجب أن تعود بالنفع على شعبه"، إلا أن الواقع، بحسب تعبيره، يسير في الاتجاه المعاكس تماماً، إذ تُستخدم هذه الموارد اليوم في "تقويض حقوق الإنسان وتأجيج النزاع، مما يجلب الألم والمعاناة على نطاق هائل".
وشدد المفوض السامي على ضرورة تعطيل "اقتصاد الحرب"، داعياً المجتمع الدولي إلى إيلاء اهتمام أكبر بكثير للسلع ومسارات التجارة التي تسهم في الإبقاء عليه واستمراره.
تجارة الصمغ العربي
سلط التقرير الضوء على تجارة الصمغ العربي بوصفها أحد أبرز الأمثلة على تأثير الحرب في الاقتصاد السوداني. ووفقاً لمعلومات أوردها التقرير، نهبت قوات الدعم السريع، في أيار/مايو 2025، بورصة الصمغ العربي ومستودعاتها، إضافة إلى أجزاء من السوق الكبير في مدينة النهود بولاية غرب كردفان، بينما كانت المخزونات جاهزة للتصدير، ما أدى إلى شل الحركة التجارية وإلحاق أضرار مباشرة بسبل عيش العاملين في هذا القطاع.
وأوضح التقرير أن شحنات الصمغ العربي القادمة من المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني نُقلت إلى مدينة بورتسودان شرقي البلاد تمهيداً لتصديرها، في حين سلكت كميات كبيرة من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع مسارات تهريب عابرة للحدود نحو دول مجاورة.
والصمغ العربي هو مادة طبيعية تُستخرج من أشجار السنط (الأكاسيا)، وتدخل في تصنيع مجموعة واسعة من المنتجات، من بينها المشروبات الغازية ومستحضرات التجميل والأدوية.
وقبل اندلاع الحرب، كان السودان يؤمن ما بين 70 و80 بالمئة من صادرات الصمغ العربي الخام عالمياً، ما جعله المنتج الأبرز لهذه السلعة الاستراتيجية.
ورغم أن قيمة صادراته المالية تبقى محدودة نسبياً، فإن الصمغ العربي يشكل، بحسب مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، مصدر رزق أساسياً لملايين السودانيين.
دعوة لتشديد الرقابة
في ضوء هذه المعطيات، حذرت الأمم المتحدة من الدور الذي تؤديه بعض الدول المجاورة ودول العبور في استمرار تدفق الصمغ العربي السوداني، مشيرة إلى أن هذه الشحنات قد تدخل القنوات الجمركية أو التجارية للتصدير، ثم تُعالج أو تُوثق، وفي بعض الحالات تُطرح في الأسواق على أنها منتجات محلية، بما يصعّب التحقق من منشئها الحقيقي ويزيد تعقيد جهود المساءلة.
ودعا المفوض السامي لحقوق الإنسان الحكومات إلى تشديد آليات المساءلة والتتبع والرقابة التنظيمية، إلى جانب ضمان حصول الضحايا على حقوقهم.
كما حثّ الشركات على عدم التعامل مع سلاسل التوريد المتأثرة بالنزاع بالآليات المعتادة، مطالباً بإجراء تدقيق أكثر صرامة في مسارات النقل والوسطاء وعمليات إعادة تسمية منشأ المنتجات، فضلاً عن توفير آليات آمنة وفعالة تتيح للمتضررين تقديم الشكاوى.
وفي الوقت نفسه، تؤكد الأمم المتحدة أن المنتجين والتجار والأسر التي تعتمد على تجارة الصمغ العربي باتوا يواجهون انتهاكات متزايدة، تشمل التهديدات الأمنية والاعتقالات التعسفية وأعمال النهب والابتزاز، ولا سيما على أيدي أطراف النزاع وحلفائهم.
وتأتي هذه التحذيرات فيما تتواصل الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ اندلاعها في نيسان/أبريل 2023، وهي حرب خلّفت أكثر من 200 ألف قتيل، بحسب تقديرات منظمات إنسانية.