الحراك الشعبي والديموقراطية في الجزائر.. بين سندان السلطة ومطرقة السلفيين

 محادثة
جانب من المظاهرات التي شهدتها الجزائر العاصمة 14-06-19
جانب من المظاهرات التي شهدتها الجزائر العاصمة 14-06-19 -
حقوق النشر
رويترز
حجم النص Aa Aa

يبدو أن المواجهة في الجزائر ليست مع النظام فقط. فمن خرج للمطالبة بسقوط الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، وجد خصما من نوع آخر يوجد في الطرف الآخر للمعادلة في هذا البلد.

وبينما دأب عشرات الآلاف من الجزائريين وربما الملايين على الخروج إلى شوارع العاصمة على مدى أربعة أشهر للمطالبة بإصلاحات سياسية شاملة كان المقاتلون السابقون الذين قادوا آخر مواجهة سياسية ومسلحة مع مؤسسة الحكم يحذرون الناس من مغبة تخريب السفينة المترنحة.

رويترز
مظاهرات العاصمة الجزائرية 14-06-19رويترز

من العنف إلى المطالبة ببقاء الوضع على ما هو عليه

ففي تسعينيات القرن الماضي، دخل هؤلاء المقاتلون في مواجهة مسلحة مع الجيش بعد أن ألغى أول انتخابات تشريعية حرة في البلاد منذ الاستقلال شاركت فيها أحزاب متعددة وكان التيار الإسلامي على وشك الفوز في استحقاق وُصف بالتاريخي.

المفارقة أن موقف هؤلاء قد تغير هذه المرة. فعلى عكس ما كانوا ينادون به في الماضي، تبنوا لهجة أخرى تحذّر من أن الاحتجاجات قد تؤدي إلى تكرار الفوضى والدماء التي سالت من جرّاء أفعالهم السابقة.

الشيخ يحيى هو أحد هؤلاء المقاتلين، يعيش الآن بقرية حيزر الجبلية التي تقع على مسافة 120 كيلومترا شرقي العاصمة الجزائرحيث يعمل جزّارا. عن هذا يقول يحيى: "أشعر بندم شديد على ما حدث في التسعينيات. لهذا لن أشارك أبدا في أي عمل قد يؤدي إلى العنف".

وكانت الجزائر قد دخلت في دوامة العنف الأعمى إثر إلغاء المسار الانتخابي الذي شهد تقدم الجبهة الإسلامية للإنقاذ والحصول على أغلبية المقاعد في الدور الأول للانتخابات في ديسمبر كانون الأول 1991. حيث سقط حوالي 200 ألف قتيل في الحرب الأهلية التي امتدت عشر سنوات تقريبا في الجزائر وجعلت كثيرين من الجزائريين يتوجسون من التغيير الجذري الآن بعد أن أذعن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وتنحى عن الحكم بضغط من الشارع في الثاني من أبريل نيسان الماضي بعد 20 سنة قضاها في السلطة.

ولأن رحيل رأس النظام لم يكن كافيا في أعين الجزائريين، فقد طالب المحتجون برحيل النخبة الحاكمة المسيطرة على البلاد منذ استقلالها عن فرنسا عام 1962 وهو السبب نفسه الذي دعا الإسلاميين لحمل السلاح في 1992.

لكن جرت تحت النهر مياه كثيرة. فالشيخ يحيى اليوم هو غير يحيى قبل 20 عاما. هو وغيره من الإسلاميين من أصحاب الأفكار المتشددة يؤيدون الآن الجيش وقوى الأمن التي تمثل أقوى عنصر في تلك النخبة التي تضم أيضا كبار رجال الأعمال والمناضلين السابقين في حرب الاستقلال بحزب الجبهة الوطنية الحاكم في الجزائر بالإضافة إلى النقابات العمالية في نظام تهيمن فيه الدولة على الاقتصاد الريعي القائم على إنتاج النفط والغاز.

سلفيون متزمّتون ذوو نفوذ واسع.. سلفي واحد بين كل 40 جزائريا

هؤلاء المقاتلون السابقون سلفيون متزمتون ينتمون للمذهب السني. ويقول محللون إن نفوذ السلفيين في الجزائر يفوق أعدادهم بكثير إذ يوجد سلفي واحد بين كل 40 جزائريا. وهذا ما يجعل لأفكارهم المعارضة للاحتجاجات وزنا كبيرا في مواجهة المطالبين بالتغيير الجذري.

وقال المحلل السياسي محمد مولودي "الجزائر فيها حوالي 18 ألف مسجد معظمها تحت نفوذ السلفيين". ولأحد دعاة هذه التيار موقع على الإنترنت يتابعه الملايين.

الصوفيون بعد بوتفليقة..

وعلى النقيض تحاشى الصوفيون، الذين يمثلون مدرسة أشمل في المذهب السني ينتمي إليها معظم الجزائريين، لفت الأنظار إليهم منذ الإطاحة ببوتفليقة الذي كان أرفع الشخصيات التي خرجت من صفوفهم.

والسلفيون محافظون على المستوى الاجتماعي متأثرون بشدة بالمذهب الوهابي السعودي. وهم يرفضون الجماعات الإسلامية التي تمارس العمل السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين التي فازت في أول انتخابات حرة في مصر بعد سقوط نظام مبارك وأتت بالرئيس محمد مرسي إلى الحكم رئيسا لمدة عام واحد خلال 2012-2013 كما أن هؤلاء يرفضون مظاهر النفوذ الغربي من الملابس إلى النظم السياسية.

رويترز
جانب من مظاهرات الجزائريين 14-06-19رويترز

المظاهرات حرام ؟

وقد يكون السلفيون من العوامل الرئيسية التي جنّبت الجزائر ارتدادات انتفاضات الربيع العربي المطالبة بالديمقراطية في 2011 بعد أن أعلن الشيخ علي فركوس أحد كبار أئمة السلفيين أن المظاهرات حرام في الإسلام. وما زال هذا التيار يجادل بأن الاستقرار له الأولوية القصوى.

القائد العسكري والزعيم المحافظ

لعب قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح نائب وزير الدفاع الجزائري دورا رئيسيا في الإطاحة ببوتفليقة بإعلانه أن سوء الحالة الصحية للرئيس يجعله غير مؤهل لأداء مهام منصبه بحسب ما جاء في الدستور.

رويترز
متظاهرون يرفعون لافتة ترفض الحوار تحت ضغط قائد الجيشرويترز

وبعد إعلان حالة الشغور الرئاسي، أصبح رئيس مجلس الأمة الغرفة العليا في البرلمان الجزائري عبد القادر بن صالح رئيسا مؤقتا. لكن مجيئه لم يأت على هوى الشارع. فهو يتعرض الآن لضغوط من المتظاهرين تطالبه بالرحيل والاستقالة بسبب صلاته ببوتفليقة على مدى عقدين. ورغم الرفض الشعبي لمن كان دوما في دواليب السلطة ودهاليزها، يبدو أن الرئيس المؤقت الذي يعاني من مرض عضال لم ينصت لمطالبة الجماهير برحيله. فقد تعهد في السادس من يونيو حزيران الجاري بالبقاء في منصبه حتى الانتخابات التي تأجلت إلى أجل غير مسمى.

أحمد طالب الإبراهيمي لتولي السلطة

واقترحت طائفة من المحتجين وبعض أئمة السلفيين أن يسلم بن صالح السلطة للوزير المحافظ السابق أحمد طالب الإبراهيمي نجل رجل الدين المعروف بشير الإبراهيمي الذي لعب دورا في حرب الاستقلال من 1954 إلى 1962.

ويعدّ أحمد طالب الإبراهيمي خصم عنيد لبوتفليقة الذي لم يسمح له بتشكيل حزب سياسي. وقد وعد السياسي البالغ من العمر 87 عاما بوضع نهاية لما سماه المال القذر في إشارة للفساد في عهد بوتفليقة وبتطبيق الشفافية.

وقال سيف الإسلام بن عطية وهو طبيب أسنان من الشخصيات التي برزت بين المحتجين "الإبراهيمي واحد من الساسة الأنقياء النادرين في الجزائر الذي يمكنهم مصالحة الشباب على السياسة. ونحن نعتقد أن بإمكانه أن يلعب دورا في غاية الإيجابية".

ويؤيد يحيى، الذي تحدث مع رويترز في حضور اثنين من زملائه المقاتلين السابقين، الإبراهيمي وقائد الجيش صالح. وقال يحيى "نحن نريد بقاء الاستقرار".

مثلث الموت

وتقع قرية يحيى فيما كان يعرف في التسعينيات باسم "مثلث الموت" الذي كان نقطة انطلاق شرارة الحرب الأهلية التي قال الجيش إنه خاضها لمنع انزلاق البلاد إلى حكم على غرار نظام حكم حركة طالبان. وكانت الجبال بكهوفها ووديانها الأرض المثالية لاختباء المقاتلين وتخزين السلاح وإعداد الكمائن لمهاجمة الجيش.

وتخلى يحيى عن الكفاح في 2006 بعد أن قبل العفو الذي أعلنه بوتفليقة كما أقنع مقاتلين آخرين بالتصالح مع الدولة.

وكافأته الدولة بمبلغ 6000 دولار لبناء بيت متواضع يشغل متجره الدور الأرضي منه. وحصل اثنان من أبنائه على وظائف في شركات تابعة للدولة وهو مصدر رزق يخشيان أن يفقداه إذا ما بلغت الأمور حد الفوضى.

الاستقرار هو "هبة من الله".. فلا تتظاهروا لأن المظاهرات حرام

يعمل السلفيون في هدوء للتأثير في المجتمع وتميزهم اللحية الطويلة والجلباب الأبيض والسروال القصير أسوة بالنبي محمد كما يقولون.

ويظهر نفوذهم في "حيزر" حيث يمثّل بيت يحيى نقطة تجمع للشباب والجيران وغيرهم من المقاتلين السابقين الذين أقنعهم بإلقاء السلاح.

وقال يحيى "المسيرات والاحتجاجات والاضطرابات وكل الأدوات التي تستخدم في النظم الديمقراطية لإسقاط الزعماء حرام في الإسلام".

وقال "بعد الفوضى ومقتل 200 ألف لدينا الآن سلام واستقرار وهذه هبة من الله". وأضاف "لنحافظ عليها".

ويقول المحللون إن لمثل هذه الرسائل صدى في الجزائر لأن كثيرين يخشون أن يؤدي طول أمد الاضطرابات إلى إضعاف الدولة التي توفر الوظائف والتأمين الصحي والإسكان.

كما أنها تقوض أيضا الأحزاب السياسية الإسلامية التي واجهت صعوبات منذ حظر جبهة الإنقاذ الإسلامي في العام التالي للانتخابات التي كانت على وشك الفوز فيها في 1991.

وقال مولودي لرويترز "السلفيون لهم نفوذ لأنهم يركزون على الشباب وعلى المجتمع. قيادات الإسلام السياسي منقسمة ممزقة وليس لها نفوذ يذكر على الصعيد السياسي".

"الديموقراطية الغربية هي النموذج.. ونريد أوباما جزائريا"

وفي العاصمة الجزائر يعارض بعض الشباب المحتجين وبينهم نساء كثيرات وبعض الأطفال أي نوع من سيطرة الإسلاميين.

قالت نادية بقاسم (21 عاما) التي تدرس اللغة الإنجليزية بجامعة الجزائر ولا ترتدي الحجاب "نريد تغييرا جذريا لكنني لا أريد أن ينتهي الحال إلى حكم الإسلاميين للبلاد".

وأضافت "الديمقراطية الغربية هي نموذجي لا النموذج السعودي".

وبدلا من الإبراهيمي تريد نادية زعيما جزائريا شابا مثل الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وقالت "نحن شعب من الشباب".

الحرام يظل حراما ولو كان الجميع يفعله..

ولم يعلق الشيخ فركوس من قيادات السلفيين على الاحتجاجات الأخيرة لكن آخرين من أتباعه رفضوها. وقال محمد حبيب وهو من السلفيين البارزين في رسالة بالفيديو إن الحرام يظل حراما حتى إذا كان الكل يفعله.

وتستمر المظاهرات..

أربعة أشهر مضت على أول مظاهرة خرجت ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة ولا تزال الاحتجاجات مستمرة كل يوم جمعة وإن كانت قد فقدت بعضا من زخمها في الأسابيع الأخيرة بعد الإعلان عن استقالات وحزمة من الإجراءات القضائية التي طالت أسماء ثقيلة في نظام بوتفليقة ليس أقلّها الإعلان عن القبض على شقيقه الأصغر سعيد أقرب مستشاريه ومحاكمته بتهم الفساد هو وآخرين وعلى رأسهم رئيسا الحكومة السابقين أحمد أويحيى وعبد المالك سلال الذي كان مديرا لحملة بوتفليقة الانتخابية في 2009 و2014 ولم يشأ القدر أن يكمل الحملة الثالثة في 2019 بعد سقوط بوتفليقة وغيابه عن المشهد.

للمزيد:

موعد الجزائر مع التغيير.. من السياسة إلى الشوارع والأزقّة

شاهد: المتظاهرون يطردون مجموعة "إسلامية" حاولت اختراق الحراك في الجزائر

تجارة الخمور بالجزائر تثير غضب السلفيين