المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

مع اتساع حزمة العقوبات.. كم تبلغ شدّة الألم الاقتصادي الذي يستطيع بوتين تحمله؟

Access to the comments محادثة
بقلم:  Hassan Refaei
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين   -   حقوق النشر  Mikhail Klimentyev/Sputnik

حين تسلّم فلاديمير بوتين مقاليد الحكم في الاتحاد الروسي، مطلعَ الألفية الثالثة، خلفاً للرئيس بوريس يلتسين، كان ثمّة هالةٍ من الغموض تحيط بسيد الكرملين الجديد، خاصّة وأنّه كان عميلاً في وكالة الاستخبارات السوفيتية المعروفة بالـ"كي جي بي"، قبل أن يلمع نجمه وسط حمّى الفوضى التي أحدثها انهيار الاتحاد السوفييتي.

بوتين كان قد تعرّفَ على خارطة الكرملين بعد أن دخله كمدير لوكالة الأمن الفيدرالي "إف إس بي" التي حلّت مكان الـ"كي جي بي"، في العام 1997، ولم ينقض وقتٌ طويل بعدها حتى عُيّن رئيساً للحكومة، وفي العام 1999 تنحى الرئيس يلتسن عن منصبه وعيّن بوتين رئيساً بالإنابة، وحينها لم يكن الرجل معروفاً على الساحة الدولية.

ورث بوتين عن يلتسين سلطةً على دولةٍ تعاني إضطّرابات على كافة الصعد وفي شتى المجالات جرّاء عملية الانتقال الفوضوي من الاقتصاد الإشتراكي إلى الرأسمالية واقتصاد السوق والتي تمّت عبر ما عُرف حينها بسياسة "العلاج بالصدمة" والتي على إثرها تفاقمت الأزمة المعيشية وتفشى الفساد وتخلّفت البلاد عن سداد الديون السيادية في العام 1998 وهبط الناتج المحلي بنسبة 5.3 بالمائة، كما سُجّل تراجعٌ كبير في قيمة العملة الوطنية الـ"روبل".

وأمام هذا المشهد الاقتصادي القاتم، تجلى قطاع الطاقة طوقَ نجاة لبوتين، فمع الارتفاع الحاد في أسعار النفط حينها، وزيادة الطلب عليه من الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء، تدفقت على خزائن الدولة أموال تمّ الاعتماد عليها في عملية إعادة تشكيل البنية الاقتصادية لروسيا وتعزيز مؤسسات الدولة بما يكفل تثبيت حكم بوتين.

وبالفعل، بين عامي 1999 و2008، ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد من 1،330 دولاراً إلى 11635 دولاراً، وهو ارتفاع مذهل استفادتْ منه كثيراً الطبقة المتوسطة، وفي موازاة ذلك، تم خفض ديون الحكومة المركزية بشكل كبير، إذ انخفضت من 100.7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 6.5 بالمائة خلال المدة الزمنية المذكورة.

وفي العام 2012 ، انضمت روسيا رسمياً إلى منظمة التجارة العالمية، الأمر الذي لاقى إشادة بالغة من الرئيس الأمريكي حينها باراك أوباما، لكنّ بعد عقد من الزمن، يلوحُ في الأفق ثمة ما يشير إلى أن النهضة الاقتصادية الروسية التي استغرق تحقيقها سنوات طويلة قد تنكمش وتتراجع في غضون أشهرٍ قليلة.

غزو ​​أوكرانيا

بعد غزوها أوكرانيا، فرضت الدول الغربية على روسيا حزمةً كبيرة من العقوبات القاسية، وذلك لإرغامها على القبول بوقف عملياتها العسكرية والالتزام بوقف إطلاق النار.

فقد طالت العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا، بالتنسيق مع حلفائه، كل ما يمت للمبادلات البينية بصلة بدءاً من المنتجات الفاخرة، مروراً بالسيارات والآليات، ووصولاً إلى مكونات الطائرات، هذا بالإضافة إلى وسائل الإعلام المملوكة للدولة الروسية.

كما أن العقوبات الغربية جمدت نحو 300 مليار دولار من أصل 640 مليار دولار من احتياطيات روسيا من الذهب والعملات الأجنبية، ما أدى إلى تراجع قيمة الروبل وارتفاع معدل التضخم وإغلاق أسواق الأسهم.

وفي هذه الأثناء، غادرَ روسيا شركات غربية عملاقة، مثل "آبل"، "نتفليكس"، "آيكا"، "إتش أند إم"، والأمر ذاته انسحب على "ماكدونالدز"، الذي كان أول مطعم أمريكي للوجبات السريعة فتح فرعاً له في الاتجاد السوفييتي.

وفي هذا الخضمّ، يبيّن تحليل أجراه معهد التمويل الدولي أن الاقتصاد الروسي سينكمش في العام الجاري بنحو 15بالمائة جراء العقوبات المفروضة على موسكو، وتوقع أن تكون ثمة تأثيرات سلبية على الأسواق الناشئة نتيجة ارتفاع أسعار السلع الأساسية، كما خفض المعهد توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي لروسيا في العام الجاري بمقدار 18 نقطة مئوية، بعدما كان يتوقع في السابق نمواً نسبته 3 بالمائة.

عنادُ بوتين والتداعيات الكارثية

وعلى الرغم من التداعيات الكارثية للغزو الروسي لأوكرانيا، فإن الحرب لم تبرح تشهد تصعيداً ميدانياً وارتفاعاً في أعداد الضحايا، واتساعاً في حجم الدمار، ويبدو أن الكرملين لا يكترث كثيراً للتحذيرات التي تطلقها العواصم الغربية، والتي تتوعد فيها روسيا بعقوبات أشد إذا ما واصلت حربها على أوكرانيا.

بوتين، وخلال اجتماع حكومي، وفي اعترافٍ نادر بالظروف الأليمة التي تمر بها بلاده، قال: "كانت هذه العقوبات ستفرض في جميع الأحوال، هناك تساؤلات ومشكلات وصعاب تثار، ولكن في الماضي تغلبنا على هذه الصعوبات، وسنتغلب عليها حاليا"، على حد تعبيره.

لكن يبدو أن عنادَ بوتين سيترك الغربيين يتحرّون عن ماهية الألم الاقتصادي الذي لا يمكن للرئيس الروسي أن يتحمله، وذلك ليبرأ من جنون العظمة الجيوسياسية التي تتملكه وليذعن لمطالب العالم بوقف حربه على أوكرانيا.

السلطة المطلقة

الروس يملكون خبرة في "تحدي الضغط الخارجي" وإيماناً راسخاً بـ "الدولة القوية"، وهما ميزتان ساعدتا على تقوية حكم بوتين وإطالة أمده ، كما يقول أندريه غيريتس، أستاذ الدراسات الدولية والسياسة العالمية في جامعة ليدن بهولندا.

يقول غيريتس لـ"يورونيوز": إن بوتين "حتى وإن وافق في نهاية المطاف على معاهدة سلام مع أوكرانيا، فلن يعترف صراحةً البتة بأنه أذعن لمحادثات السلام بسبب العقوبات، ولن نكون متأكدين تماماً من الدور الذي لعبته العقوبات" في القرار المحتمل.

ولفهم سلوك بوتين، يتعين على المرء أن ينظر إليها بدءاً من ماضيها الإمبراطوري وصولاً إلى ما هي عليه الآن، وأن يرصد على وجه الخصوص، مظاهر السلطة المطلقة التي يحاول الرئيس بوتين تمثلها.

فبعد محاولة قصيرة الأمد لاعتناق الديمقراطية الليبرالية في حقبة ما بعد الاتحاد السوفيتي، ازدادت حالة الشمولية داخل البلاد تدريجياً وأصبحت اليوم واضحة كما كانت عليه قبل سنوات غلاسنوست لميخائيل جورباتشوف، كما يشير غيريتس.

ويمضي أستاذ الدراسات الدولية والسياسة العالمية إلى القول: "يعتقد بوتين أن روسيا لا يمكن أن تكون قوية إلا إذا كان لديها زعيم قوي (رئيس) ونظام سياسي قوي (النخبة) للعمل بشكل مستقل وسيادي على المسرح الدولي. ثمة صلة مباشرة بين الدولة الاستبدادية وسقف المناورة لديها".

ويضيف غيريتس أن الزعيم الروسي يؤمن بالامتيازات الخاصة للقوى العظمى، كما أنه يعتقد أنه من المحتم أن تُترك الدول لتدافع عن نفسها، وهو جانب من جوانب السياسة الخارجية التي يميل الغرب إلى "التقليل من شأنها"، لافتاً إلى أن "فوضى العلاقات الدولية عادت بقوة إلى أوروبا".