المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

الإجهاض في الولايات المتحدة.. خصوصية تاريخية ومعركة سياسية لا تتوقف

Access to the comments محادثة
بقلم:  حفصة علمي
متظاهرون مؤيدون للإجهاض يتجمعون خارج المحكمة العليا الأمريكية في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، الثلاثاء 3 مايو 2022
متظاهرون مؤيدون للإجهاض يتجمعون خارج المحكمة العليا الأمريكية في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، الثلاثاء 3 مايو 2022   -   حقوق النشر  Alex Brandon/AP.

مع نشر وكالة الأخبار "بوليتيكو" وثيقة مسربة تظهر المحكمة العليا الأمريكية على أهبة الاستعداد لإلغاء حكم "رو ضد وايد" التاريخي لعام 1973، الذي أرسى حقا دستوريا للإجهاض في الولايات المتحدة لعقود من الزمن، من المتوقع أن تقترَح سلسلة من التشريعات التقييدية للإجهاض في الولايات التي يقودها الجمهوريون.

وتعتبر مسألة الإجهاض من القضايا المثيرة للجدل والانقسام في الولايات المتحدة، بين مؤيدين ومعارضين لقرار الحظر، على أسس أيديولوجية أو دينية أو حزبية.

خصوصية تاريخية واجتماعية

من المعروف أن النساء لجأت إلى الإجهاض في كل أنحاء العالم للتحكم في الإنجاب، بغض النظر عن شرعيته. وفي الولايات المتحدة، كان الإجهاض يمارس على نطاق واسع باستخدام الأعشاب ووسائل أخرى.

وكانت قوانين مكافحة السموم، التي صدرت في منتصف القرن التاسع عشر، واحدة من أقدم قوانين منع الإجهاض، كاستجابة فورية لانتشار المواد الكيميائية المُجهضة التي أصبحت شائعة آنذاك. وبحلول أواخر القرن التاسع عشر، كان لدى معظم الولايات قوانين تحظر الإجهاض إلا لإنقاذ حياة أو صحة المرأة الحامل.

بدأت قضية حظر الإجهاض لأسباب مختلفة، أولها كان جزءا من رد الفعل العنيف ضد حركة حقوق المرأة المتنامية التي دعت إلى "الأمومة الطوعية" على الرغم من أن هذه الحركة لم تدعم فعليا الإجهاض.

وفي ستينيات القرن الماضي، نظمت النساء حركة تحرير نسائية، مستوحاة من الحركات المدنية والمناهضة للحرب، لجعل الإجهاض ممارسة آمنة وقانونية. وتحدثت النساء في جلسات علنية عن تجارب الإجهاض غير القانونية التي قمن بها لأول مرة.

وفي 22 يناير كانون الثاني 1973، ألغت المحكمة العليا الأمريكية جميع قوانين الإجهاض الجنائية في قرار "رو ضد وايد" التاريخي. وقضت المحكمة بأن للناس حقًا أساسيا في الخصوصية تأسس على مفهوم الحرية الشخصية في التعديل الرابع عشر الذي يضم ثلاثة فصول.

ورأت المحكمة أن قرار الإجهاض يجب أن يترك للحامل بالتشاور مع طبيبها خلال الأشهر الثلاثة الأولى، وأن الدولة قد تنظم الإجهاض بطرق ترتبط بشكل معقول بصحة الأم في الفصل الثاني، وأنه خلال الفصل الثالث قد تنظم الدولة أو تحظر الإجهاض، إلا عند الضرورة واستنادا على حكم طبي مناسب، لحياة وصحة المرأة الحامل.

إضعاف الحماية الدستورية

في الوقت الذي كان فيه كثيرين سعداء ومرتاحين من قانونية الإجهاض في جميع أنحاء البلاد، كان البعض الآخر غاضبا وحوّل شكواه إلى المجالس التشريعية في الولاية لتقييد الوصول إليه. ومن عام 1973 حتى عام 1992، تم تمرير قيود على الإجهاض في كل ولاية تقريبا.

وعلى الرغم من استئناف نشطاء حقوق الإجهاض، إلا أن المحكمة العليا رفضت الاستماع إلى معظم هذه القضايا. ومع ذلك، خلال هذه الفترة الزمنية، أصدرت المحكمة حكمين رئيسيين يحدان من وصول القاصرات والفقيرات إلى الإجهاض.

وفي قضية "بيلوتي ضد بيرد" عام 1979، قضت المحكمة العليا بأنه يمكن للولايات الإصرار على حصول القاصر على موافقة الوالدين لإجراء عملية إجهاض. وفي الوقت ذاته، طلبت المحكمة توفير خيار الالتفافية القضائية التي تمكن الشباب بموجبه تقديم التماس إلى القاضي للحصول على إذن لإجراء عملية إجهاض دون إخطار والديهم إذا كان بإمكانهم إثبات نضجهم بما يكفي لاتخاذ قرارهم.

وجدير بالذكر أن الشابة الأمريكية ريبيكا سوزان "بيكي" بيل كانت أول قاصرة تموت بسبب الإجهاض غير القانوني بسبب قوانين موافقة الوالدين. وفي 16 سبتمبر 1988، توفيت مراهقة إنديانا البالغة من العمر 17 عاما بسبب مضاعفات الإجهاض الإنتاني إثر عدم حصولها على موافقة والديها.

تحرك جمهوري محافظ

في عام 2003، أصدر الكونغرس قانون حظر "الإجهاض الجزئي للولادة" (PBA)، والذي تم توقيعه من قبل الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش. وقد طعن المدافعون عن حقوق الإجهاض القانون لكن بدون جدوى. ويرجع ذلك إلى وجود قاضيين محافظين جديدين في المحكمة العليا، وهما جون روبرتس وصمويل أليتو.

واعتبر هذا القانون واحدا من عدة حالات يملي من خلاله السياسيون حق ممارسة الطب دون اعتبار للعلوم الطبية أو صحة الحوامل. كما أنه يسلط الضوء على التسييس المتزايد للمحكمة العليا، فقد أصبح موقف المرشح من الإجهاض اختبارا أساسيا للرؤساء الجمهوريين.

وفي شهر فبراير الماضي، وقع حاكم ولاية فلوريدا، رون ديسانتيس، على قانون حظر على معظم عمليات الإجهاض بعد 15 أسبوعا من الحمل على أن يسري مفعوله في الأول من يوليو المقبل.

كما ألغى المشرعون في ولاية كنتاكي حق النقض الذي فرضه الحاكم في إجراء يقيد عمليات الإجهاض مع استثناءات قليلة في الحالات التي يكون فيها الإجهاض ضروريا لإنقاذ حياة الأم أو إذا كان الجنين يعاني من إصابة خطيرة.

وعليه، تم فرض حظر على الإجهاض في 31 ولاية أمريكية هذا العام، وفقا لمعهد "غوتماشر، وهو مجموعة بحثية تدعم حقوق الإجهاض.

وقالت إليزابيث ناش، محللة سياسة الدولة في المعهد إن "ما نراه الآن هو عبارة عن تراكم عقود تبنت خلالها الهيئات التشريعية في الولايات القيود، واليوم يتحركون باتجاه فرض حظر مستمر".

معركة سياسية

قبل خمس سنوات، عشية الانتخابات الرئاسية لعام 2016، تعهد دونالد ترامب بتعيين قضاة المحكمة العليا الذين سينقضون "تلقائيا" حكم "رو ضد وايد".

وخلال فترة توليه لمنصبه، قام ترامب بتغيير شكل المحكمة من خلال تعيين ثلاثة قضاة جدد ومنح المحافظين الأغلبية بـ6 قضاة مقابل 3 فقط من الليبراليين،  مما شجع النشطاء المناهضين للإجهاض وصناع السياسات والقضاة المحافظين.

واليوم، يبدو أن مسودة الرأي المسربة تظهر أن غالبية قضاة المحكمة يعتزمون إسقاط الحكم الدستوري، الذي حمى حق الإجهاض منذ حوالي 50 عاما، على يد القاضي المحافظ صمويل أليتو الذي قام بصياغة مسودة القانون بموافقة ما لا يقل عن أربعة أعضاء محافظين آخرين في المحكمة العليا.

في عام 2020، حظرت العديد من الولايات الإجراءات الطبية غير الأساسية خلال جائحة كورونا، وهو ما ممثل فرصة انتهزها صانعو السياسات المناهضة للإجهاض في اثنتي عشرة ولاية إذ حاولوا إغلاق عيادات الإجهاض بذريعة أن الرعاية الصحية للإجهاض غير ضرورية.

وخارج أبواب المحكمة، طعن المدافعون عن حقوق الإجهاض في الحظر في العديد من الولايات وكانت المعركة شرسة بشكل خاص في تكساس حيث مر طعن قانوني في نظام المحاكم لأسابيع، مما أدى إلى إحداث فوضى عارمة.

واستجابة لهذه القيود التي تفرضها المحاكم، أصدرت الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد، وجمعية تنظيم الأسرة وغيرها من المؤسسات الطبية الرئيسية بيانا مشتركا يؤكد أن الإجهاض هو رعاية صحية أساسية ولا ينبغي إلغاؤه أو تأخيره، لأن "العواقب تؤثر بشكل كبير على حياة الشخص وصحته ورفاهه".

تجدر الإشارة إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي الحالي، جو بايدن، عارضت قرار ولايتي تكساس ومسيسيبي في تمرير تشريعات معقدة ومحددة لعمليات الإجهاض داخل حدودها.

وأكدت المحامية العامة إليزابيث بريلوغار، الممثلة لإدارة الرئيس بايدن، أمام المحكمة العليا أهمية الابتعاد عن المساس بقانون "رو ضد وايد"، الذي ضمن حق الإجهاض على مدى 50 عاما.