المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

الهروب مرّتين.. القدر يلاحق لبنانيين تقطّعت بهم السبل في أوكرانيا

Access to the comments محادثة
بقلم:  Mariam Chehab
نازحون من أوكرانيا يستريحون في محطة برزيميسل في بولندا- الثلاثاء 1 مارس 2022
نازحون من أوكرانيا يستريحون في محطة برزيميسل في بولندا- الثلاثاء 1 مارس 2022   -   حقوق النشر  أ ب

الرحيل عن وطن مثقل بالحروب والأزمات، كان ولوقت طويل الحل الوحيد أمام آلاف اللبنانيين الباحثين عن حياة أفضل والهاربين من ظروف أمنية واقتصادية صعبة.. حملوا معهم أحلامهم الضائعة وسلكوا طريق السفر بحثا عن بقعة تحتضنهم خارج الـ 10452 كلم مربع.

لكن القدر شاء مرة جديدة، أن يقف في وجه من حزموا أمتعتهم واختاروا أوكرانيا وجهة لهم، فعادت مشاهد الحروب والويلات، وأصوات القذائف والصواريخ إلى ذاكرتهم، بعضٌ من هؤلاء روى ليورونيوز ما حدث له.

فلنَمُت إلى جانب من نحب

"نحن شعب اعتاد على الحروب.. ولكن، مثل هذه اللحظات المرعبة كنا نقضيها وسط أهلنا.. وبحال كنا سنموت.. فلنمت إلى جانب من نحب"، هذه الكلمات جاءت على لسان شاب لبناني عالق في أوكرانيا منذ أيام، بعد أن شن الجيش الروسي عملية عسكرية واسعة النطاق على أراضي الجارة أوكرانيا، بدأت في دونباس يوم الخميس 24 شباط/ فبراير الماضي وامتدت لتشمل العديد من المدن. (رفض الشاب الإفصاح عن هويته حتى لا تصل كلماته إلى أهله الذين يعيشون في حالة ذعر وقلق عليه جراء الحرب الروسية وهم ينتظرون خروجه من البلاد وعودته سالما إلى أحضان أسرته).

رحلة مليئة بالمتاعب

بالنسبة للشاب علي خشفة، ومجموعة من الشباب المنحدر من نفس العائلة، لم تكن رحلة الخروج من خاركيف شرقي أوكرانيا إلى الحدود البولندية سهلة على الإطلاق لكنهم مع هذا وجدوا في الاتحاد فرصة لتخفيف الآلام عن بعضهم البعض.

خشفة، إبن بلدة القليعات، وهي قرية لبنانية من قرى قضاء عكار في محافظة الشمال وصل إلى الحدود البولندية، يقول لـ"يورونيوز" وهو ينتظر أن تسمح لهم السلطات بالعبور إلى بولندا، "لم نعرف طعم الراحة منذ ثلاثة أيام، لم نتناول أي شيء.. نحن نعيش على الماء فقط".

بدأت رحلة علي ومن معه، يوم الجمعة في 25 شباط/ فبراير الماضي أي بعد يوم من بدء المعارك، عندما قرر حوالي 20 شابا، ركوب قطار كان من المفترض أن ينطلق عند الساعة الثانية ظهرا من خاركيف باتجاه العاصمة كييف.. استغرقت الرحلة حوالي ٩ ساعات وصلوا بعدها إلى كييف قبل أن يغادروها بعد ساعات قليلة إلى مدينة لفيف في غرب أوكرانيا، في رحلة استغرقت المدة نفسها تقريبا.. ووصلوا بعد جهد جهيد إلى لفيف وهي مدينة تقع على الحدود مع بولندا.

هناك، انتظروا سيارة أجرة لتقلهم إلى نقطة العبور ولكن قبل وصولهم ونظرا لازدحام الطريق بالسيارات، نزل الشباب من السيارة وأكملوا طريقهم سيرا على الأقدام لمسافة تصل إلى حوالي 32 كيلومترا.

وبعد أن حمل الشاب "دمه على كتفه" بحسب تعبيره، نظرا لصعوبة التحرك على الصعيد الأمني واللوجستي في ظل احتدام المعارك على الأرض. وبعد تجاوز جميع المطبات التي رافقتهم، وصل علي ومن معه إلى منطقة مراقبة الهجرة. وهناك لم تكن الأمور سهلة كما يتم تصويرها، يقول علي.

وعقب ساعات، وبعد أن فقدنا الاتصال به، عاد الطالب اللبناني الذي يعيش في أوكرانيا منذ 5 سنوات، ليخبرنا أن المتاعب لم تنته، إذ أن السلطات البولندية رفضت منحه ومن معه إذنا بالدخول.

ويضيف علي أن السبب يعود لإعاقة خروج المواطنين الأفارقة والهنود. وأشار الشاب البناني إلى أن حرس الحدود لا يسمح لهم بالخروج لأن الأولوية هي للنساء الأوكرانيات والأطفال وهذا مما يعرقل عملية استقبالهم. وأُجبروا على الانتظار لمدة يومين قبل أن يدخلوا إلى بولندا.

علي القلق على مستقبله بعد ضياع 5 سنوات من عمره وتوقف دراسة اختصاص لم يكمله بسبب هذه الحرب، يتساءل عما ينتظره في لبنان بعد العودة إلى "بلد يعاني من حرب من نوع آخر ويموت فيه الشباب يوميا ببطء"، بحسب تعبيره.

"ساعدونا.. ساعدونا.. لا حلول بين أيدينا"

أحمد سرحان شاب يبلغ من العمر 25 عاما يعيش أيضا في منطقة خاركيف، لم ينجح كغيره من الشباب في الخروج من المدينة قبل أن تشتد المعارك. بل عايش العديد من الأحداث على الأرض.

الشاب الذي غادر جنوب لبنان ولجأ إلى أوكرانيا قبل 6 سنوات، قال بصوت مرتجف تملؤه الغصة والقلق: " نحن نعيش في خاركيف، ولا داعي لإخبار العالم عما يحدث هنا، نحن غير قادرين على حماية أنفسنا، لا نعلم بالضبط ما علينا فعله.. نعيش أوضاعا صعبة للغاية.. الحرب تشتد يوميا.. نناشد سفارات العالم أجمع لتعمل على إجلائنا من هنا، وبشكل خاص نناشد سفارة لبنان، فقط انظروا إلى حالنا، واعملوا على إخراجنا من هنا.. ".

يتابع سرحان "هناك قطارات، ولكننا غير قادرين على المجازفة بأرواحنا.. جميعنا خائفون.. وليس لدينا القدرة على تحمل المزيد من المخاطر".

وأضاف سرحان الطالب في كلية طب الأسنان، "المدن الأوكرانية جميعها غير آمنة، وإن لم نمت في هذه المنطقة سنموت في أخرى، ساعدونا.. ساعدونا.. لا حلول بين أيدينا".

وكثر أشاروا إلى محاولاتهم المتكررة للتواصل مع السفارة اللبنانية، وأنهم "قاموا بملء الاستمارات الموجودة على الموقع ولكن دون جدوى".

"اشتد الضرب … يجب أن أرحل"

المعلومات التي أردنا الوصول إليها عن حال هؤلاء وصلت متقطعة، وفي كل مرة حاولنا التواصل معهم، كانت محادثاتنا تنتهي بعد بضع ثوان ودائما بالعبارة نفسها "اشتد الضرب من حولي.. يجب أن أرحل"، جملة تختصر الواقع المحفوف بالمخاطر الذي كان يعيشه هؤلاء الشبان.

نجح خشفة ومن معه في الخروج من أوكرانيا، بينما ينتظر عشرات الشبان اللبنانيين والعرب بينهم العديد من السوريين والمصريين والجزائريين، أن تتحمل حكوماتهم المسؤولية وتعمل على إخراجهم من البلاد في أسرع وقت ممكن.

كانت أوكرانيا وجهة مفضلة والحال المتاح أمام مئات الطلاب اللبنانيين الذين كانوا يقصدونها سنويا لدراسة الطب والهندسة نظراً لسهولة الحصول على تأشيرات دخول إلى هذا البلد، وقد تزايدت أعدادهم بشكل ملحوظ نتيجة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان منذ العام 2019 والتي تعد الأسوأ في تاريخه.

وقبل أيام، طلب وزير الخارجية والمغتربين عبدالله بو حبيب اللبنانيين العالقين في أوكرانيا بـ "البقاء في أماكن آمنة لحين جلاء الأمور" جراء "عدم وجود ممرات آمنة" لمغادرتهم. هذا وكلفت الخارجية هيئة رسمية للعمل على إجلاء جميع من "لجأوا الى بولندا ورومانيا جواً إلى لبنان في موعد يتم تحديده لاحقاً".

تشن روسيا بقرار من الرئيس فلاديمير بوتين منذ أسبوع هجوما واسعا على أوكرانيا، في خطوة رفعت بشكل حاد من منسوب التوتر بين موسكو والدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وبريطانيا ما ينذر بخطر استمرار التوتر وتفاقم المواجهة العسكرية بين الدب الروسي والغرب.